تتجاوز استجابات الجمهور للأداء الصوتي مجرد الإعجاب الجمالي العام، فهي تنطوي على عمليات نفسية مركبة يقيّم فيها المستمع جودة الأداء التقنية وتعبيريته، ويدرك المعنى الانفعالي الذي يحمله، ويبني على ذلك نيته في الانخراط المستقبلي في التجربة الفنية، ومع ذلك ظل ما يعرف عن كيفية ترابط التقييم الصوتي والإدراك الانفعالي ونية الانخراط المستقبلية محدودًا، ولا سيما في سياق غناء المسرح الموسيقي الذي يجمع بين الغناء والتمثيل والسرد القصصي في تجربة واحدة متكاملة
ويهم هذا الموضوع الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم نفس الموسيقى وعلم نفس الفن ودراسات الجمهور، فالمسارح والمهرجانات العربية تسعى إلى فهم جمهورها وبناء ولايته، والتمييز بين تقييم الأداء وإدراك معناه الانفعالي يساعد المؤسسات الفنية على تصميم تجارب وبرامج تسويقية أكثر فاعلية، وتقدم هذه الدراسة إطارًا مفاهيميًا جديدًا يفسر بنية استجابة الجمهور
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية ترابط الإدراك التقني التعبيري والإدراك الانفعالي ونية الجمهور في الاستجابة لغناء المسرح الموسيقي، ومقارنة هذه العلاقات عبر مجموعات تختلف في تكرار الحضور، ويقصد بالإدراك التقني التعبيري تقييم المستمع لأداء المغني من حيث الجودة الصوتية والقدرة التعبيرية، ويقصد بالإدراك الانفعالي ما يدركه المستمع من معان ومشاعر ينقلها الأداء، أما نية الجمهور فتشير إلى الاستعداد للانخراط المستقبلي كحضور عروض لاحقة ومتابعتها، واعتمدت الدراسة على مسح بموجة واحدة شمل 306 من مستمعي المسرح الموسيقي البالغين في الصين، وحللت الارتباطات بين المتغيرات الثلاثة واختبرت نموذجًا للارتباطات غير المباشرة فيما بينها
ثانيًا: أبرز النتائج
رسمت النتائج بنية متمايزة لاستجابة الجمهور تتوزع فيها الأدوار بين التقييم والانفعال، ويمكن عرض أبرزها في النقاط الآتية
1، ارتبط الإدراك التقني التعبيري ارتباطًا قويًا بالإدراك الانفعالي، فكلما ارتفع تقييم المستمعين للأداء الصوتي وتعبيريته ازداد إدراكهم للمعنى الانفعالي الذي يحمله الغناء
2، ارتبط الإدراك الانفعالي بنية الجمهور ارتباطًا أوثق من ارتباط الإدراك التقني التعبيري بها، بما يرجح أن ما يشعر به المستمع ويدركه من معنى هو الأقرب إلى قرار الانخراط المستقبلي
3، في نموذج الارتباط غير المباشر لم تعد العلاقة المتبقية بين الإدراك التقني التعبيري ونية الجمهور موثوقة بعد إدخال الإدراك الانفعالي، وهو ما يشير إلى أن الإدراك الانفعالي هو الحلقة الأقرب إلى نية الانخراط المستقبلي
4، ارتبط تكرار الحضور بالإدراك التقني التعبيري والإدراك الانفعالي دون نية الجمهور، إذ أبلغ الحاضرون الأكثر تكرارًا عن تقييم صوتي وإدراك انفعالي أعلى، بينما لم تختلف نية الجمهور اختلافًا موثوقًا عبر مجموعات التكرار
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل الإسهام الرئيس للدراسة في تقديم بنية استجابة الجمهور، وهي إطار يفسر كيف تترابط الاستجابات الثلاث وتتمايز أدوارها في آن واحد، ويحمل ذلك دلالات عملية للمؤسسات الفنية والمؤدين، فبناء نية الجمهور يمر أساسًا عبر إغناء المعنى الانفعالي المدرك في التجربة لا عبر الإتقان التقني وحده، وإن كان الإتقان مدخلًا مهمًا إليه، كما تنبه الدراسة الباحثين إلى ضرورة التمييز في دراسات نية الجمهور بين تقييم المستمعين لتقديم الأداء الصوتي وإدراكهم للمعنى الانفعالي، فخلط المفهومين يحجب فهم آليات تشكل قرارات الحضور المستقبلية
وتستند الدراسة إلى تقاليد بحثية في علم نفس الموسيقى ترى أن الاستماع تجربة نشطة يبني فيها المستمع المعنى بقدر ما يتلقاه من المؤدي، فالصوت الموسيقي يحمل خصائص تقنية قابلة للوصف والقياس، لكن أثره النفسي يتشكل عبر ما يثيره من ذكريات وتوقعات وانفعالات لدى المتلقي، ومن هنا ليست استجابة الجمهور حكمًا واحدًا مبسطًا بل منظومة من التقييمات والمشاعر والاستعدادات السلوكية التي تتفاعل فيما بينها وتتمايز في الوقت نفسه، وهو ما يسعى الإطار المقترح في هذه الدراسة إلى التقاطه بدقة مفاهيمية أعلى
وخلاصة القول إن استجابة جمهور المسرح الموسيقي بنية مركبة من ثلاث استجابات مترابطة غير متماثلة، يقترب فيها الإدراك الانفعالي من نية الانخراط المستقبلي أكثر من التقييم التقني التعبيري، وهو ما يوجه المؤدين والمؤسسات الفنية والباحثين العرب في علم نفس الموسيقى إلى الاهتمام بالمعنى الانفعالي للأداء بوصفه مفتاح ولاء الجمهور








