تمهيد
تحتل قابلية التوظيف مكانة مركزية في أدبيات الإرشاد المهني وعلم النفس التربوي، إذ لا يتوقف نجاح الخريج في سوق العمل على ما يملكه من معارف ومهارات فنية فحسب، بل يتصل أيضًا بما يدركه عن نفسه من قدرة على الحصول على عمل مناسب والاحتفاظ به والتقدم فيه، ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة لدى طلبة الكليات المهنية العليا الذين يستعدون للانتقال المباشر من مقاعد الدراسة إلى مواقع العمل، وقد برز التوجه نحو المستقبل، أي ميل الطالب إلى التفكير في أهدافه المقبلة والتخطيط لها واستشرافها، بوصفه موردًا نفسيًا واعدًا يتصل بهذه القابلية المدركة، وتستند الدراسة الحالية إلى نظرية المعرفة الاجتماعية المهنية في اختبار كيفية ارتباط التوجه نحو المستقبل بقابلية التوظيف التي يقدرها الطلبة لأنفسهم، والدور الذي يؤديه كل من كفاءة اتخاذ القرار المهني ودعم المعلمين ذي الصلة بالمهنة في تشكيل هذه العلاقة وتوجيهها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار نموذج وساطة معدلة في مرحلته الأولى، تتوسط فيه كفاءة اتخاذ القرار المهني العلاقة بين التوجه نحو المستقبل وقابلية التوظيف المدركة ذاتيًا، ويعدل فيه دعم المعلمين المدرك ذو الصلة بالمهنة المسار من التوجه نحو المستقبل إلى كفاءة اتخاذ القرار المهني، واعتمدت الدراسة على مسح زمني متعاقب من ثلاث موجات جمعت بياناته من طلبة ثلاث كليات مهنية عليا في مقاطعة قوانغدونغ بالصين، وأسفرت المطابقة بين الموجات عن 824 استجابة صالحة، واستخدم الباحثان نمذجة المعادلات البنائية لتقييم نموذج القياس وبنية الوساطة الأساسية، وأدوات تحليل العمليات الشرطية لاختبار النموذج المعدل، مع ضبط متغيرات النوع والمستوى الدراسي ومحل المنشأ ومجال الدراسة وآثار المدرسة الثابتة، وبأخطاء معيارية حصينة ضد عدم تجانس التباين وآلاف من عينات إعادة المعاينة المعززة لتقدير فواصل الثقة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تنبأ التوجه نحو المستقبل المقاس في الموجة الأولى تنبؤًا إيجابيًا بكفاءة اتخاذ القرار المهني في الموجة الثانية بمعامل قدره 0.497 وبدلالة إحصائية عالية، وتنبأت كفاءة اتخاذ القرار المهني بدورها تنبؤًا إيجابيًا بقابلية التوظيف المدركة ذاتيًا في الموجة الثالثة بمعامل قدره 0.630 وبدلالة إحصائية عالية
2، بقي الارتباط المباشر بين التوجه نحو المستقبل وقابلية التوظيف المدركة ذاتيًا دالًا إحصائيًا بمعامل قدره 0.392، بما يؤكد أن الوساطة جزئية لا كلية، فالتفكير المستقبلي يؤثر في إدراك الطالب لقابليته للتوظيف مباشرة وعبر ثقته في قراراته المهنية معًا
3، كان التفاعل بين التوجه نحو المستقبل ودعم المعلمين دالًا إحصائيًا بمعامل قدره 0.140، وإن كانت إسهاماته التفسيرية الإضافية صغيرة الحجم، إذ بلغت الزيادة في التباين المفسر 0.007 وبلغ حجم الأثر 0.010 فقط
4، بلغ الأثر غير المباشر الشرطي عند المستوى المتوسط من دعم المعلمين 0.313 بفاصل ثقة يتراوح بين 0.254 و0.379، وبلغ مؤشر الوساطة المعدلة 0.088 بفاصل ثقة يتراوح بين 0.031 و0.154، بما يشير إلى أثر غير مباشر أقوى كلما ارتفع مستوى دعم المعلمين المدرك
5، ظلت النتائج ثابتة عند الاستغناء عن المتغيرات الضابطة، وعند ترجيح الاستجابات باحتمالات التسرب بين الموجات، وعند استخدام استدلالات حصينة ضد آثار تجميع الصفوف الدراسية، بينما لم يجد نموذج تعديل بديل يقع في المرحلة الثانية من المسار أي دعم إحصائي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحدد النتائج ارتباطًا غير مباشر مرتبًا زمنيًا بين التوجه نحو المستقبل وقابلية التوظيف المدركة عبر كفاءة اتخاذ القرار المهني، وتبين أن دعم المعلمين عامل سياقي معزز لهذه العلاقة يقويها دون أن يكون شرطًا ضروريًا لقيامها، وينبغي ألا تفسر النتائج بوصفها آثارًا سببية مؤكدة لأن البنى المدروسة لم تقس قياسًا متكررًا في كل موجة من الموجات الثلاث، وبالنسبة إلى مؤسسات التعليم المهني في العالم العربي وطلاب الدراسات العليا تحمل الدراسة رسالة عملية واضحة، فتنمية تفكير الطلبة المستقبلي وبناء ثقتهم في قراراتهم المهنية وتدريب المعلمين على تقديم دعم مهني واع مسارات متكاملة لرفع جاهزية الخريجين لسوق العمل، كما تقدم الدراسة نموذجًا منهجيًا محكمًا في تصميمات الوساطة المعدلة زمنية التعاقب يستحق المحاكاة والتكييف في بحوث عربية مماثلة
وخلاصة القول إن الطالب الذي ينظر إلى مستقبله بوعي ويخطط له بجدية ويجد حوله معلمًا داعمًا يمتلك فرصة أكبر لأن يرى نفسه قابلًا للتوظيف جديرًا به، فالتوجه نحو المستقبل ليس حلمًا مؤجلًا ولا ترفًا نظريًا، بل مورد نفسي حي يعمل في الحاضر عبر قرارات مهنية أوثق وثقة متنامية بالنفس واستعداد أصدق لعبور بوابة سوق العمل








