تمهيد
مثلت جائحة كوفيد 19 أزمة صحية غير مسبوقة في العصر الحديث، إذ لم تقتصر آثارها على الصحة الجسدية بل امتدت بفعل الجائحة ذاتها وبفعل تدابير الحكومات المضادة لها إلى الحياة الفردية والاجتماعية للناس حول العالم، فأغلقت أماكن وتغيرت عادات وتعطلت أعمال وتبدلت صلات الأسر والأصدقاء، وفي خضم هذه التحولات برز سؤال جوهري لإدارة الأزمات مفاده كيف يقيم الناس التدابير المفروضة عليهم، وهل تبقى تقييماتهم ثابتة أم تتبدل مع طول الأزمة وإنهاك الجمهور، فنجاح أي تدبير صحي عام لا يتوقف على سلامته العلمية وحدها، بل على قبول الناس له وتقييمهم لأهميته وجودته وقدرتهم على الالتزام به في حياتهم اليومية
وتنبع أهمية هذه الدراسة من كونها الجزء الثاني في سلسلة بحثية تابعت التقييمات عبر زمن الجائحة لا في لحظة واحدة، فهي تنظر إلى التقييم نظرة دينامية متطورة، وتفكك هذا التقييم إلى مكوناته باستعارة عناصر نظرية السلوك المخطط ونظرية الوسائل والغايات، بما يقدم للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس الاجتماعي والصحة العامة نموذجًا لكيفية دراسة مواقف الجمهور من سياسات الأزمات دراسة مركبة تراعي الأبعاد الوجدانية والمعيارية والعملية والدوائر الاجتماعية المختلفة التي يتأثر فيها قرار الفرد، من الأسرة القريبة إلى المجتمع ككل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الوقوف على كيفية تقييم الأفراد لتدابير مكافحة كورونا الرئيسة، وهي القيود على الأنشطة الخارجية ونصائح النظافة ونصائح الصحة النفسية، من جهة عناصر نظرية السلوك المخطط المتمثلة في الاتجاه والمعيار الذاتي والتحكم السلوكي المدرك، ومن جهة أربع دوائر اجتماعية هي الأسرة القريبة والأسرة الموسعة والأصدقاء وزملاء العمل والمجتمع عامة، مع تتبع تغير هذه التقييمات عبر الجائحة وفحص تقييم التطعيمات التي أدخلت في مرحلة لاحقة واستكشاف الأسباب الذاتية وراء التقييمات، ولتحقيق ذلك قورنت تقييمات التدابير المبكرة في بدايات الجائحة بين مارس وأبريل من عام 2020 لدى 663 مشاركًا بتقييمات بعد نحو عام بين يناير ومارس من عام 2021 لدى 577 مشاركًا، واعتمد القياس على نظرية الوسائل والغايات للبنى المعرفية المعقدة لتحديد الأهمية والجودة المدركتين، إلى جانب أسئلة مفتوحة حللت نوعيًا لاستكشاف أسباب التقييمات الإيجابية والسلبية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، لم تتغير توقعات الناس من التدابير، أي أهميتها الذاتية، تغيرًا جوهريًا عبر الزمن رغم طول الجائحة
2، عدت الحماية من فيروس كورونا وآثاره، وهي مكون الاتجاه، أهم من قابلية التدابير للتطبيق العملي، وهي مكون التحكم السلوكي المدرك، التي فاقت بدورها أهمية تلبية توقعات الآخرين، وهي مكون المعيار الذاتي
3، نسبت أهمية أعلى إلى الأسرة القريبة مقارنة بسائر الدوائر الاجتماعية، بما يعكس مركزية حماية الأقربين في دوافع الالتزام بالتدابير
4، تصدرت نصائح النظافة تقييمات الجودة المدركة، تلتها القيود على الأنشطة الخارجية ثم التطعيم، بينما جاءت نصائح الصحة النفسية في المرتبة الأخيرة
5، تراجعت جميع إدراكات الجودة عبر زمن الجائحة، بما يشير إلى تآكل الرضا عن التدابير مع استمرار الأزمة وإنهاك الجمهور
6، دلت الأسباب الذاتية المستكشفة نوعيًا على أن التدابير المفضلة هي ذات الأهداف الواضحة والفوائد الجوهرية والقابلية للتطبيق في الحياة اليومية والسند العلمي والشرح الواضح
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل النتائج دروسًا عملية لإدارة الأزمات الصحية المقبلة، فثبات الأهمية الذاتية للتدابير يعني أن الجمهور لا يفقد إيمانه بجدوى الحماية، بينما يتراجع رضاه عن جودة التنفيذ والتواصل، ومن ثم فإن على السلطات الصحية أن تستثمر في وضوح الأهداف وسهولة التطبيق اليومي والشرح العلمي المقنع أكثر من استثمارها في الإلزام وحده، كما يلفت تصدر الأسرة القريبة في الدوافع نظر مصممي الرسائل الصحية إلى مخاطبة قيم حماية الأسرة بوصفها محرك التزام قويًا، ويلفت تذيل نصائح الصحة النفسية للتقييمات النظر إلى الحاجة لتطوير دعم نفسي أكثر واقعية وقبولًا في الأزمات، فالناس كما تخلص الدراسة يفضلون الحلول البسيطة وإن لم تكن بالضرورة سهلة التنفيذ
وخلاصة القول إن تقييمات الجمهور لتدابير الأزمات بنية مركبة تتشكل من الأهمية والجودة ومن دوافع الحماية واعتبارات التطبيق وضغوط التوقعات الاجتماعية، وإن هذه التقييمات تتماسك في توقعاتها بينما تتآكل في رضاها مع طول الأزمة، وهي معادلة ينبغي أن يحسب لها صانعو السياسات الصحية حسابًا دقيقًا عند تصميم تدابير الأزمات المقبلة والتواصل بشأنها








