تمهيد
تمثل مرحلة المراهقة طورًا حاسمًا في النمو الصحي السليم، إذ تتشكل فيها العادات والسلوكيات التي ترافق الإنسان بقية عمره، غير أن أمراضًا شائعة كقصر النظر والسمنة وتسوس الأسنان وشذوذات انحناء العمود الفقري تنتشر اليوم بمعدلات مرتفعة بين الأطفال والمراهقين مع اتجاه واضح نحو ظهورها في أعمار أصغر، وتنشأ هذه الأمراض عن تفاعل معقد بين عوامل متعددة الأبعاد تشمل السلوك والبيئة والأسرة والمدرسة، ومع ذلك ظلت التدخلات القائمة مقتصرة في الغالب على أمراض منفردة تفتقر إلى أدوات وقاية ورقابة منهجية شاملة، ومن هنا نشأت حاجة ملحة إلى بناء نظام تقييم علمي لمؤشرات العوامل المؤثرة في صحة هذه الفئة، وتخاطب هذه الدراسة صانعي السياسات الصحية والباحثين في صحة الطفل والمدرسة وطلاب الدراسات العليا المهتمين بأدوات التقييم الصحي الشامل وبناء المؤشرات المركبة لأغراض الوقاية وصنع القرار
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نظام مؤشرات متعدد الأبعاد لتقييم مخاطر الأمراض الشائعة لدى الأطفال والمراهقين دعمًا للوقاية القائمة على الأدلة ولصنع السياسات الموجهة لهذه الفئة، واستهدفت الأمراض الأربعة الرئيسة التي تؤكد عليها السياسات الصحية الوطنية في الصين وهي قصر النظر والسمنة وتسوس الأسنان وشذوذات انحناء العمود الفقري لدى الأطفال والمراهقين ممن تراوحت أعمارهم بين سبع سنوات وتسع عشرة سنة، واسترشد الباحثون ببرنامج العمل الوطني لتنمية الأطفال في الصين للفترة بين عامي 2021 و2030 وبمخطط الصين الصحية 2030، فصاغوا في البداية إطار مؤشرات من ثلاثة مستويات عبر البحث في الأدبيات واجتماعات الخبراء، ثم طبقوا طريقة دلفي لاستشارة الخبراء في جولتين لغربلة المؤشرات وتحسينها، إذ قيم الخبراء كل مؤشر على مقياس من درجة واحدة إلى خمس درجات من حيث الأهمية وقابلية التطبيق والحساسية، واستبعدت المؤشرات التي قل متوسط درجاتها عن 3.5 درجات وتجاوز معامل اختلافها 0.3
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ معدل الاسترداد الفعلي لاستشارات دلفي في جولتيه 100.0 في المئة، وبلغ متوسط معامل إلمام الخبراء 0.83 ومتوسط معامل حكمهم 0.93 وقيمة معامل السلطة الخبيرة 0.88، وهي قيم تشير إلى رصانة الخبرة المستشارة وموثوقية أحكامها
2، بلغ معامل التوافق في الأهمية خلال الجولة الثانية من الاستشارة 0.284 ومعامل توافق قابلية التطبيق 0.185 ومعامل توافق الحساسية 0.314، وجاءت جميعها ذات دلالة إحصائية عند مستويات عالية، وهو ما يدل على تقارب معتبر في آراء الخبراء حول المؤشرات المحتفظ بها
3، استقر نظام المؤشرات النهائي على خمسة وخمسين مؤشرًا من المستوى الثالث موزعة على المستويات الأعلى للإطار، ليشكل منظومة متعددة الأبعاد تقيس مستوى العوامل المؤثرة في صحة الأطفال والمراهقين المرتبطة بالأمراض الشائعة الأربعة المستهدفة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يقدم هذا النظام نموذجًا قابلًا للاستلهام في البيئات العربية التي تواجه بدورها أعباء متصاعدة من سمنة الأطفال وقصر النظر المرتبط بكثافة الدراسة والشاشات وتسوس الأسنان ومشكلات القوام، إذ تحتاج وزارات الصحة والتعليم إلى أدوات تقييم موحدة تقيس عوامل الخطر قبل تحولها إلى أمراض بدل الاكتفاء بإحصاءات الإصابة، ويمكن تطويع منهجية دلفي المستخدمة لبناء أنظمة مؤشرات وطنية عربية تجمع خبراء طب الأطفال والصحة المدرسية والتغذية وطب الأسنان وتقويم العظام حول أولويات مشتركة، ويستفيد الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا من خطوات الدراسة في توثيق بناء المؤشرات والتحقق من صدقها وثباتها تطبيقيًا، وفي التفريق بين أهمية المؤشر وقابليته للقياس الميداني وحساسيته للتغير عند تصميم أدوات رصد ومتابعة لبرامج صحة المدرسة، كما تتيح المؤشرات المصنفة بحسب الأهمية وقابلية التطبيق فرصًا عملية لتحديد أولويات التدخل المدرسي وترشيد الموارد الصحية المحدودة وفق أدلة كمية قابلة للمتابعة الدورية وللمقارنة المنصفة بين المناطق والسنوات والفئات المختلفة من الطلاب
وخلاصة القول إن نظام مؤشرات تقييم مخاطر الأمراض الشائعة لدى الأطفال والمراهقين الذي طورته هذه الدراسة عبر جولتين من مداولات الخبراء أظهر رصانة علمية سليمة في بنائه، ويمكن توظيفه بعد التحقق من ثباته وصدقه في التطبيقات العملية لقياس مستوى العوامل المؤثرة في صحة هذه الفئة، بما يدعم وقاية مبكرة قائمة على الأدلة وسياسات صحية أقدر على حماية أجيال النشء








