تمهيد
يُستخدم مناخ السلامة على نطاق واسع لتفسير الحوادث المهنية في البيئات الصناعية والوقاية منها، إذ يعكس تصورات العاملين المشتركة لمدى أولوية السلامة في سياسات منظماتهم وممارساتها اليومية، ويعمل بوصفه مؤشرًا مبكرًا ينذر باحتمالات وقوع الحوادث قبل حدوثها، غير أن هذا الحقل البحثي ظل مجزأ من الناحية المفاهيمية، إذ تتعايش أدوات قياس متعددة دون إجماع على الأبعاد الجوهرية التي تحدد هذا المفهوم، وهو ما يحد من قابلية مقارنة النتائج بين الدراسات ومن فاعلية التدخلات التنظيمية المبنية عليها، ومن هنا تنبع الحاجة إلى تنظيم الأدبيات المتراكمة وتجميع محددات مناخ السلامة في بنية موحدة، وتخاطب هذه المراجعة المنهجية الباحثين في السلامة والصحة المهنية وإدارة الموارد البشرية وطلاب الدراسات العليا في مجالات الهندسة الصناعية والإدارة ممن يطورون أدوات القياس أو يختارونها لأبحاثهم وتدخلاتهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد محددات مناخ السلامة المبلغ عنها في الأدوات المُتحقق من صدقها والمطبقة في البيئات الصناعية وتنظيمها وتوليفها عبر مراجعة منهجية للأدبيات، وقد أجريت المراجعة وفق إرشادات بريزما لعام 2020 الخاصة بالإبلاغ عن المراجعات المنهجية، ونُفذت عمليات البحث في قاعدتي بيانات سكوبس وشبكة العلوم، وأسفرت عن إدراج سبع وعشرين دراسة تجريبية منشورة بين عامي 2015 و2025، واستخرج الباحثون الأبعاد الواردة في أدوات القياس المستخدمة في تلك الدراسات وجمعوها بحسب التشابه المفاهيمي بينها ثم دمجوها في بنية مشتركة موحدة، وفحص التوليف مدى تكرار ظهور كل محدد عبر الأدوات المختلفة وفسر النتائج في ضوء الجودة السيكومترية للمقاييس كما قيمها إطار كوزمين المعني بمعايير اختيار أدوات قياس النتائج الصحية وتقييم خصائصها المنهجية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، على الرغم من تنوع المقاييس المستخدمة في الدراسات السبع والعشرين المشمولة بالمراجعة، تقاربت محددات مناخ السلامة المستمدة من أدوات القياس باستمرار لتستقر في أربعة مجالات رئيسة تتكرر عبر الأدوات المستقلة
2، تمثل المجال الأول في إدارة الصحة والسلامة وما تتضمنه من سياسات وإجراءات والتزام قيادي مرئي يجعل السلامة أولوية تنظيمية معلنة وملموسة في القرارات اليومية
3، وتمثل المجال الثاني في موارد السلامة التنظيمية وتشمل ما توفره المنظمة من معدات وتدريب ووقت وكفاءات بشرية داعمة للسلوك الآمن في مواقع العمل الصناعية
4، وتمثل المجال الثالث في إشراك العاملين ومشاركتهم في قرارات السلامة والإبلاغ عن المخاطر والتعلم من الحوادث الوشيكة بوصفهم شركاء فاعلين لا متلقين سلبيين للتعليمات
5، وتمثل المجال الرابع في ظروف العمل ذاتها بما فيها ضغوط الإنتاج وأعباء الورديات وتصميم بيئة العمل المادية، إذ تؤثر هذه الظروف في قدرة العاملين على الالتزام بسلوكيات آمنة
6، دل تقارب هذه المجالات الأربعة عبر أدوات مستقلة على وجود نواة بنيوية متماسكة مفاهيميًا، وهي نواة تدعمها في الغالب أدوات خضعت لتحقق بنيوي توكيدي، وهو ما يمنح البنية المقترحة أساسًا تجريبيًا متينًا نسبيًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج المنشآت الصناعية العربية المتنامية في قطاعات النفط والبتروكيماويات والتصنيع والإنشاءات، إذ تقدم لها خريطة واضحة لما ينبغي قياسه عند تقييم مناخ السلامة بدل الاكتفاء بمؤشرات الحوادث البعدية، وتساعد مديري السلامة على اختيار الأدوات الأنسب لسياقاتهم أو تطويع الأدوات العالمية للبيئة المحلية مع الحفاظ على أبعادها الجوهرية، ويستفيد الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا من هذه المراجعة أساسًا تجريبيًا لتطوير أدوات عربية مقننة أو تكييف الأدوات القائمة وترجمتها والتحقق من خصائصها السيكومترية، وفي توحيد لغة القياس بما يتيح مقارنات عادلة بين القطاعات والدول، وتوجيه التدخلات نحو المجالات الأربعة مجتمعة بدل التركيز على جانب واحد كالتدريب أو المعدات مع إهمال البقية
وخلاصة القول إن هذه الدراسة بجمعها بين البنية المفاهيمية وجودة القياس تسهم في تقليص التجزؤ الذي يعاني منه حقل مناخ السلامة، وتقدم أساسًا تجريبيًا لتطوير أدوات القياس وتكييفها واختيارها، مع آثار مباشرة للبحث العلمي ولممارسات إدارة السلامة في البيئات الصناعية، إذ يمتلك الممارسون والباحثون الآن نواة متفقًا عليها من أربعة مجالات يمكن الانطلاق منها بثقة أكبر








