تمهيد
يتشكل تعليم الرياضيات لا بالتدريس الصفي وحده بل بالسرديات التقييمية الأوسع التي تدور في الخطاب الاجتماعي اليومي، إذ قد تؤثر هذه السرديات في إدراك المتعلمين لقابلية التحكم في الرياضيات وقيمتها الذاتية لديهم، ومن ثم في انفعالات التحصيل والانخراط الأكاديمي والمثابرة، وتوفر نظرية التحكم والقيمة إطارًا نظريًا لفهم هذه العمليات عبر بعدي التقييم المعرفي المتمثلين في التحكم والقيمة، غير أن الصورة العامة للرياضيات كما تتداولها المجتمعات في خطابها العام ما تزال قليلة الدراسة بالمناهج الحاسوبية الكمية، ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتفحص كيفية تقييم الرياضيات في مدونة نصية باللغة الصربية على شبكة الإنترنت جامعًا بين النظرية ونمذجة الموضوعات وتحليل المشاعر الحاسوبي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى وصف كيفية تأطير الرياضيات تقييميًا في الخطاب الصربي العام وربط ذلك بأبعاد نظرية التحكم والقيمة، واعتمدت على مدونة ويب باللغة الصربية جرى تحليلها بنمذجة الموضوعات وبتصنيف للمشاعر باستخدام نموذج لغوي مضبوط بدقة على نص خام غير مجذر، وعولج اختلال توازن الفئات بترجيح الجذر التربيعي العكسي لتكبير عينات الفئات الأقلية، واختيرت نقاط حفظ النموذج وفق مؤشر الماكرو إف1 مع تطبيق ضبط اللوغاريتمات عند الاستدلال، وجرى التقييم بتحقق متقاطع طبقي ثلاثي الطيات، وإضافة إلى ذلك رمّز متن المدونة بقاموس يضم ثماني فئات من تلميحات التقييم ذات الصلة بالتقييمات المعرفية وهي الصعوبة والكفاءة وقابلية التحكم والنجاح والفشل والفائدة والملاءمة والتقييم عالي المخاطر والمكانة، ثم طبق المصنف على 9000 مقطع غير موسوم
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت نمذجة الموضوعات أن الخطاب حول الرياضيات متنوع موضوعيًا ويتمحور حول السياقات التعليمية، مع امتداده أيضًا إلى مجالات الاقتصاد والسياسة وغيرها من المجالات العامة
2، حقق إجراء التصنيف قيمة ماكرو إف1 بلغت 0.65 بانحراف معياري قدره 0.03 مقارنة بقيمة 0.32 في الإجراء الأصلي أحادي التقسيم، وبسبب حساسية الأداء لإجراء النمذجة والتقييم تعاملت الدراسة مع النتائج المتعلقة بالمشاعر بوصفها استكشافية لا توكيدية
3، صنف المصنف المقاطع غير الموسومة بواقع 92.1 في المئة في الفئة المحايدة و4.1 في المئة في الفئة الإيجابية و3.9 في المئة في الفئة السلبية
4، أظهر تحليل السجل النصي أن المقاطع التقييمية بصورة صريحة تتزايد باطراد كلما قل الطابع المؤسسي للنصوص، إذ ارتفعت نسبتها من 3.1 في المئة إلى 7.1 في المئة ثم إلى 14.1 في المئة عبر ثلاث طبقات سجلية، بقيمة مربع كاي بلغت 273.71 ومستوى دلالة دون 0.001 وحجم أثر وفق معامل كرامر بلغ 0.12
5، كان التأطير ذو الصلة بالتقييمات المعرفية أوسع انتشارًا بكثير من العلامات التقييمية الصريحة، إذ حمل 39.7 في المئة من المقاطع تلميحًا تقييميًا واحدًا على الأقل مقابل 7.8 في المئة فقط حملت وسم قطبية صريحًا، بينما تعذر تقدير القطبية المشروطة بالموضوع إلا بصورة جزئية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفسر الدراسة حياد المشاعر الغالب بوصفه نتاجًا مشتركًا لتركيبة سجلات المدونة النصية ولسقف تصنيف القطبية ثلاثي الفئات، لا بوصفه دليلًا على أن الرياضيات محايدة وجدانيًا في الخطاب الصربي، فغياب العلامات الصريحة لا يعني غياب التقييمات الضمنية المتعلقة بالصعوبة والكفاءة وقابلية التحكم، وتنبه الدراسة إلى أنها تصف تمثلات عامة للرياضيات ولا ترصد متعلمين أو معلمين أو فصولًا دراسية، ومن ثم فإن دلالاتها على تصميم التعليم وتواصل المعلمين تطرح بوصفها فرضيات ذات دافع نظري لأبحاث مستقبلية لا أهداف تدخل مثبتة تجريبيًا، وهي منهجية جديرة باهتمام الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الراغبين في دراسة صورة الرياضيات والعلوم في الخطاب العام العربي بأساليب تحليل النصوص الحاسوبية
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى ضرورة تطوير أدوات تحليل خطاب أكثر حساسية للأبعاد التقييمية الدقيقة التي تحملها النصوص العامة، إذ يختبئ التقييم غالبًا في اختيار المفردات وسرديات الصعوبة والنجاح لا في ألفاظ الثناء والذم الصريحة، كما تدعو إلى دراسات مستقبلية تربط بين تمثلات الخطاب العام واتجاهات المتعلمين الفعلية في بيئات تعليمية حقيقية، وتبقى المدونات اللغوية الكبرى موردًا بحثيًا ثريًا لدراسة صورة التخصصات العلمية في الوعي المجتمعي وأثرها في خيارات الطلاب الدراسية والمهنية عبر الزمن
وخلاصة القول إن الخطاب العام يحمل تأطيرًا تقييميًا غنيًا للرياضيات يفوق ما تلتقطه تصنيفات المشاعر الصريحة، وإن الجمع بين نظرية التحكم والقيمة وأدوات تحليل النصوص الحاسوبية يتيح قراءة أعمق لكيفية تشكل صورة الرياضيات في وعي المجتمع








