تمهيد
ينتشر الاحتراق النفسي بمعدلات مرتفعة بين طلاب الطب في مختلف دول العالم، وينعكس سلبًا على حياتهم الشخصية والمهنية وعلى رفاههم النفسي الاجتماعي وأدائهم الأكاديمي، وقد يقود لاحقًا إلى أطباء يتسمون بالتباعد العاطفي واللامبالاة بالعمل، بما يهدد جودة الرعاية الصحية المقدمة للمجتمع، وتثير بعض الكليات تساؤلًا حول ما إذا كانت أساليب اختيار طلابها وطرائق تدريسها تمنحهم حماية خاصة من الاحتراق، إذ تستخدم المقابلات المصغرة المتعددة لاختيار طلاب يمتلكون مهارات ناعمة ملائمة لمهنة الطب، ويرتبط التعلم القائم على الفريق بتحصيل أكاديمي أعلى قد يمنح الطلاب مرونة أكبر أمام الضغوط، غير أن البيانات حول حدوث الاحتراق لدى هذا النوع من الطلاب ظلت ناقصة، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى استكماله وتوثيقه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم الاحتراق النفسي لدى طلاب الطب في كلية طب خاصة تدرس طلابها بالتعلم القائم على الفريق وتختارهم بالمقابلات المصغرة المتعددة، وشارك في الدراسة مئة وثلاثة وأربعون طالبًا من طلاب الفصول الدراسية الثلاثة الأولى، وطبقت نسخة الطلاب من استبيان كوبنهاغن للاحتراق النفسي ثلاث مرات في كل فصل دراسي، وعدت الدرجات التي تبلغ خمسين فأكثر مؤشرًا على وجود الاحتراق، وشمل القياس أبعاد الاحتراق الشخصي والمرتبط بالدراسة والمرتبط بالأقران والمرتبط بالمعلمين، وحللت البيانات ببرامج إحصائية لفحص تغير النسب عبر الفصول والتطبيقات المتكررة، والفروق بحسب الجنس ومحل الإقامة ومصادر تمويل الرسوم ووجود الإيمان الديني من عدمه
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغت نسب الاحتراق الشخصي والمرتبط بالدراسة لدى طلاب الفصل الأول 24.4 في المئة و22 في المئة على الترتيب في التطبيق الأول، ثم ارتفعت إلى 51 في المئة و48.5 في المئة في نهاية الفصل الدراسي
2، وصلت نسب الاحتراق لدى طلاب الفصلين الثاني والثالث إلى 80.4 في المئة و78.8 في المئة على الترتيب، ما يشير إلى تصاعد واضح للاحتراق مع التقدم في الدراسة عبر الفصول
3، حافظ نحو 40 في المئة من طلاب الفصل الأول المصابين بالاحتراق في التطبيق الأول على درجات الاحتراق ذاتها في التطبيقات اللاحقة، ما يدل على استمرارية الظاهرة لدى فئة غير قليلة من الطلاب
4، ظلت نسب الاحتراق المرتبط بالأقران والمعلمين منخفضة في بداية الفصل الأول عند 4.9 في المئة و2.4 في المئة، ثم ارتفعت إلى أعلى مستوياتها بما يتراوح بين 24 و30 في المئة بنهاية الفصل الثاني
5، سجلت الطالبات نسب احتراق أعلى بصورة دالة إحصائيًا في البعدين الشخصي والمرتبط بالدراسة، وتبين أن الطلاب المقيمين مع الأصدقاء حصلوا على درجات احتراق مرتبط بالدراسة أقل من المقيمين مع الأسرة أو بمفردهم، في حين لم تظهر ارتباطات دالة بين درجات الاحتراق وتمويل الرسوم جزئيًا أو كليًا أو بينها وبين وجود الإيمان الديني من عدمه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين الدراسة أن اختيار الطلاب على أساس المهارات الناعمة والتدريس بالتعلم القائم على الفريق لا يحصنان الطلاب من الاحتراق، فمعدلاته لديهم مماثلة للمعدلات المبلغ عنها دوليًا في كليات أخرى، وأن الفصل الدراسي وجنس الطالبات عاملان مرتبطان بمستويات أسوأ من الاحتراق، وهو ما يستدعي تدخلات مؤسسية مبكرة ومستمرة لا تقتصر على الدعم الفردي وحده، وتفيد هذه النتائج كليات الطب في السياق العربي في الانتباه إلى الفترات الحرجة من الدراسة وإلى الاحتياجات الخاصة بالطالبات، وتصميم برامج رفاه ومتابعة دورية بأدوات قياس معتمدة، كما تؤكد للباحثين وطلاب الدراسات العليا الحاجة إلى دراسات إضافية تدعم إجراءات أكثر فاعلية في الحد من أثر الضغوط في طلاب الطب
وخلاصة القول إن الاحتراق النفسي لدى طلاب الطب مرتفع ومتصاعد عبر الفصول الدراسية حتى في الكليات التي تختار طلابها بعناية وتدرسهم بأساليب تعلم نشطة، وهو ما يجعل مواجهته مسؤولية مؤسسية تتطلب رصدًا مبكرًا ودعمًا مستدامًا يبدأ منذ الفصل الدراسي الأول ولا يتوقف عند حدود العلاج الفردي








