تمهيد
تتطلب مواجهة المتطلبات المتطورة للرعاية الصحية إعداد أطباء بمناهج حديثة تجمع بين تنظيم المحتوى حول موضوعات متكاملة وبناء الكفايات العامة والمهنية، وقد تبنى المركز الطبي الجامعي في خرونينغن بهولندا عام 2014 منهجًا جديدًا يجمع بين مجتمعات التعلم الموضوعاتية والتعليم الطبي القائم على الكفايات والتعلم القائم على المشكلات، واستخدمت في برنامج مجتمعات التعلم مهام تعليمية متنوعة لتدريب الكفايات العامة، وتمثل التحدي الجوهري لهذا البرنامج في مدى اكتساب الطلبة مستويات متماثلة من مخرجات التعلم داخل الصور المختلفة للبرنامج، إذ تختلف المجتمعات في تركيزها ومهامها بينما يخضع جميع الطلبة لتقويم موحد ولمتطلبات تخرج واحدة لا تتجزأ
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص مدى تماثل مخرجات التعلم عبر أربعة برامج متوازية لمجتمعات تعلم موضوعاتية داخل منهج طبي جامعي واحد، واستخدمت نتائج تقويم ثلاث دفعات خلال السنتين الأوليين من مرحلة البكالوريوس، وحللت تطور المعرفة باستخدام اختبارات التقدم والاختبارات التحريرية، وحللت تطور الكفايات باستخدام نتائج تقويم سبع كفايات محددة في المنهج، واعتمدت في مقارنة اختبارات التقدم أسلوب الانحراف التراكمي، وفي مقارنة درجات الاختبارات التحريرية بين البرامج اختبار كروسكال واليس، وقدمت الإحصاءات الوصفية لعرض نتائج تقويم كفايات الطلبة جميعها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، لوحظت نسب نجاح مرتفعة ومتماثلة في تقويمات الكفايات والمعرفة معًا في جميع البرامج الأربعة المتوازية، بما يشير إلى تكافؤ عام في بلوغ المستويات المطلوبة للتخرج والانتقال بين المراحل
2، ظهرت مع ذلك فروق محددة بين البرامج، إذ جاء أداء البرنامجين اللذين ركزا بدرجة أكبر على تنمية الكفايات دون أداء البرنامجين الآخرين في تقويم المعرفة بمختلف أدواته
3، تفوق البرنامجان نفسهما على البرنامجين الآخرين في تقويم الكفايات، بما يعكس أثر التوازن الداخلي لكل برنامج بين مكوني المعرفة والكفاية في توجيه تحصيل الطلبة وتوجهاتهم
4، دلت النتيجة العامة على إمكان تدريب الطلبة في برامج تعلم مختلفة داخل منهج واحد مع تحقيق مخرجات تعلم متماثلة في مجملها رغم اختلاف الخبرات اليومية ومهام التعلم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير الدراسة إلى أن المنهج الجديد ما يزال بحاجة إلى تحسين عبر موازنة الصور المختلفة للبرامج وضمان قابلية التقويمات للمقارنة عبرها، وتحمل هذه الخلاصة دروسًا مباشرة لكليات الطب العربية التي تبني مناهج متكاملة بمجتمعات تعلم أو مسارات متوازية، إذ تؤكد أهمية المعايرة المستمرة بين المسارات ومراقبة مؤشرات المعرفة والكفاية معًا حتى لا يتسع التفاوت بصمت بين مجموعات الطلبة، كما تفيد الباحثين في التعليم الطبي وطلاب الدراسات العليا بنموذج منهجي لتقويم التماثل بين برامج متوازية باستخدام اختبارات التقدم وتقويمات الكفايات ضمن إطار واحد للمقارنة العادلة بين المسارات المختلفة
ويحتل تقويم تماثل المخرجات موقعًا محوريًا في حوكمة المناهج المتكاملة، فكلما تنوعت مسارات التعلم وتعددت مواقع التدريب والفرق التعليمية ازداد خطر الانحراف التدريجي بين ما يتعلمه الطلبة فعلًا في كل مسار، وتحتاج إدارات المناهج إلى مؤشرات منتظمة تلتقط هذا الانحراف مبكرًا قبل أن يظهر في نتائج التخرج أو في أداء الخريجين الميداني، وتعد اختبارات التقدم التي تقيس نمو المعرفة التراكمي عبر السنوات من أنسب هذه المؤشرات لأنها تقارن الدفعات والمسارات بمقياس واحد متكرر، كما تتيح تقويمات الكفايات المهيكلة رصد الأبعاد الأدائية والاتجاهية التي لا تلتقطها الاختبارات التحريرية، وباجتماع هذين النوعين من الأدلة تتكون صورة متوازنة عن عدالة المنهج وفعاليته، وتتعاظم الحاجة إلى هذه الصورة في المناهج التي تعتمد التعلم القائم على المشكلات، إذ تتفاوت خبرات المجموعات الصغيرة بطبيعتها وتتباين مهامها ومناقشاتها من مجموعة إلى أخرى ومن موقع تدريبي إلى آخر
وخلاصة القول إن تنويع برامج التعلم داخل المنهج الطبي الواحد ممكن دون التضحية بتماثل المخرجات، على أن يظل رصد الفروق الدقيقة بين البرامج وتصحيح توازناتها الداخلية مهمة مستمرة في إدارة المنهج وتطويره وتقويمه الدوري








