تمهيد
ظلت الوحدة لدى طلبة الجامعات مصدر قلق مستمر في السنوات التالية لجائحة كورونا، وارتبطت بمشكلات متعددة في الصحة النفسية كالقلق والاكتئاب وضعف الانتماء الجامعي، ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التحادثي وإتاحتها الدائمة في كل وقت، بدأ الطلبة يلجؤون إليها بحثًا عن دعم عاطفي وعلائقي، غير أن القليل معروف عن كيفية استخدام الطلبة الذين يعانون الوحدة لهذه الأدوات فعليًا وكيف يدركونها وكيف يضعونها إلى جانب استراتيجيات التكيف الأخرى المتاحة لهم، وتسد هذه الدراسة الاستكشافية تلك الفجوة المعرفية، وهي ذات صلة مباشرة بالجامعات العربية التي تتسع فيها استخدامات الطلبة لهذه التقنيات بينما تظل الأطر المؤسسية المنظمة لها في بداياتها الأولى
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة الاستكشافية النوعية إلى استكشاف كيفية إدراك طلبة جامعة بريطانية يعانون الوحدة لاستخدامهم الذكاء الاصطناعي التحادثي في الحصول على الدعم العاطفي والعلائقي، وكيفية تموضع هذا الاستخدام إلى جانب استراتيجيات التكيف الأخرى، وشارك في الدراسة ستة عشر طالبًا ممن حصلوا على درجة ثلاث أو أكثر على مقياس دي يونغ غيرفيلد للوحدة، وأجريت معهم مقابلات شبه منظمة تناولت تجاربهم ومواقفهم، وحُللت البيانات باستخدام التحليل الموضوعي التأملي، مع وضع الوحدة في سياق الحياة الاجتماعية والعلائقية الأوسع للطلبة داخل الجامعة وخارجها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، برز موضوع أول يصور الذكاء الاصطناعي التحادثي منفذًا عاطفيًا منخفض العوائق، إذ يتيح للطالب الإفصاح دون الكلف الاجتماعية التي تصاحب البوح للبشر كالخوف من الحكم أو الإثقال على الآخرين
2، تمثل الموضوع الثاني في إدراك الطلبة لهذه الأدوات شريكًا موضوعيًا في التأمل وترتيب المعنى، يساعدهم على تنظيم التجارب الطاغية عليهم وفهمها بعيدًا عن الانفعال المباشر والارتباك
3، أظهر الموضوع الثالث أن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي التحادثي كان استجابة عملية لفجوات في شبكات الدعم القائمة، كعدم توافر الأصدقاء في أوقات الحاجة أو صعوبة الوصول إلى خدمات الإرشاد الجامعي
4، أكد الموضوع الرابع أن الطلبة يعدون هذه الأدوات مكملًا لا بديلًا دائمًا عن الرعاية البشرية، ويقتربون منها بوعي نقدي واضح بحدودها وقصورها ومخاطر الاعتماد عليها
5، عكس استخدام الطلبة لهذه الأدوات احتياجات علائقية غير ملباة داخل شبكاتهم الاجتماعية القائمة، لا غيابًا للتواصل الاجتماعي في حياتهم ولا تفضيلًا للذكاء الاصطناعي على البشر
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو الدراسة إلى توجيه مؤسسي على مستوى القطاع الجامعي بشأن الحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي فيما يتصل بالصحة النفسية للطلبة، وتحث الجامعات على الانخراط بانفتاح أكبر في فهم كيفية تشكيل الذكاء الاصطناعي لحياة الطلبة خارج العمل الأكاديمي، وتكتسب هذه الدلالات أهمية خاصة للجامعات العربية حيث تتزايد أعداد الطلبة المستخدمين لهذه الأدوات بينما تحتاج خدمات الإرشاد النفسي الجامعي إلى تطوير وتوسيع يواكبان الطلب، كما تفيد الباحثين وطلاب الدراسات العليا بمنهج نوعي قابل للتوظيف في استكشاف تجارب الطلبة العرب مع تقنيات الذكاء الاصطناعي التحادثي وعلاقتها بالوحدة والدعم الاجتماعي والصحة النفسية في بيئاتهم الجامعية
وتتقاطع تجربة الطلبة مع الذكاء الاصطناعي التحادثي مع تحولات أوسع في العلاقات الاجتماعية المعاصرة، إذ صارت الوسائط الرقمية جزءًا من نسيج التفاعل اليومي داخل الجامعة وخارجها، وتقدم هذه الأدوات حضورًا دائمًا واستجابة فورية وغيابًا للحكم الاجتماعي، وهي سمات تجعلها جذابة لمن يشعر بالوحدة ويخشى الرفض أو الإفصاح أمام الآخرين، غير أن هذا الجذب ذاته يثير أسئلة أخلاقية ومهنية حول جودة الدعم المقدم وخصوصية البيانات وحدود المسؤولية عند ظهور علامات الخطر على طالب ما، ومن هنا تأتي أهمية الدراسات النوعية التي تستمع إلى الطلبة أنفسهم وتفهم منطق استخدامهم قبل أن تضع الجامعات سياساتها وإرشاداتها في هذا الشأن المتسارع التحول
وخلاصة القول إن طلبة الجامعات الذين يعانون الوحدة يوظفون الذكاء الاصطناعي التحادثي دعمًا عاطفيًا متاحًا ومكملًا لعلاقاتهم البشرية، وإن على الجامعات أن تستجيب لهذا الواقع بإرشاد مسؤول وخدمات دعم أقوى وأكثر حضورًا لا بالتجاهل أو المنع








