تمهيد
أصبح تدويل المناهج مجالًا ذا صلة وثيقة بالتعليم العالي لما يربطه بين التصميم البيداغوجي والتعلم بين الثقافات والكفايات العالمية والمناقشات النقدية حول إنتاج المعرفة، غير أن الأدبيات في هذا المجال ما تزال مجزأة مفاهيميًا وممثلة تمثيلًا متفاوتًا عبر السياقات الجيوسياسية، فتتركز أجزاء كبيرة منها في بيئات ناطقة بالإنجليزية بينما تظل تجارب بقية العالم أقل حضورًا وأضعف تأثيرًا، وتتناول هذه الدراسة التكوين العلمي للبحث في تدويل المناهج عبر مراجعة منهجية للأدبيات مقترنة بتحليل ببليومتري، وهو موضوع يهم الجامعات العربية الساعية إلى تدويل مناهجها دون أن تفقد خصوصيتها المعرفية والثقافية، ويمد الباحثين بخريطة واضحة لاتجاهات المجال وفجواته البحثية الراهنة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص التكوين العلمي للبحث في تدويل المناهج من حيث الإنتاج العلمي والمؤلفون والأعمال المؤثرة وشبكات التعاون والتطور المفاهيمي والتنظيم الموضوعي والفجوات الناشئة، واتبعت في ذلك الخطوات الإرشادية المعروفة باسم بريزما للمراجعات المنهجية، فحُللت مائة وستون منشورة مفهرسة في قاعدتي ويب أوف ساينس وسكوبس باستخدام حزم برمجية بلغة آر متخصصة في التحليل الببليومتري ومعالجة البيانات وتصويرها البياني، وبهذا جمعت الدراسة بين الحصر المنهجي للأدبيات والتحليل الكمي لبنى الاستشهاد والتعاون والموضوعات عبر الزمن
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت النتائج عن نمو مطرد في ميدان تدويل المناهج، يقابله تركز قوي للنفوذ القائم على الاستشهادات لدى مجموعة محدودة من المؤلفين ولدى بلدان ناطقة بالإنجليزية في الغالب الأعم
2، تطور الأدب في المجال من مناقشات مفاهيمية واسعة نحو اهتمامات أكثر تحديدًا تتعلق بالكفايات والتدويل في الداخل والممارسة الأكاديمية والمنظورات المناهضة للاستعمار المعرفي
3، أظهر الميدان رغم توسعه الملحوظ توترات مستمرة بين الخطاب المؤسسي حول التدويل وبين تنفيذه البيداغوجي الفعلي داخل قاعات الدرس وأنشطة التعلم اليومية
4، أوصت الدراسة بأن يولد البحث المستقبلي أدلة تجريبية أقوى على الأثر التكويني للتدويل، وأن يدمج سياقات غير ناطقة بالإنجليزية، وأن يربط تدويل المناهج بالتنوع المعرفي والتحول التعليمي المنشود
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل الدراسة دلالات مباشرة للجامعات العربية، إذ تبين أن تدويل المناهج لا يعني استيراد نماذج جاهزة بل إعادة بناء واعية للمنهج تصل المتعلم بالعالم وتحافظ على حضور المعارف المحلية في آن واحد، وتدعو إلى بناء قدرات بحثية عربية تسهم في الأدبيات العالمية بدل الاكتفاء بتلقيها، كما تفيد طلاب الدراسات العليا والباحثين بمنهجية قابلة للتطبيق في رسم خرائط مجالات بحثية أخرى ببليومتريًا، وتوجههم إلى فجوات حقيقية كقياس الأثر التكويني للتدويل وتجارب التدويل في الداخل التي تناسب جامعات لا تستطيع غالبية طلبتها السفر للدراسة في الخارج ولا تسمح ظروفها ببرامج تبادل واسعة
ويفيد التحليل الببليومتري في هذا السياق بوصفه أداة لرسم خريطة المجال كما هو قائم فعلًا لا كما ينبغي أن يكون، فهو يكشف من يكتب في الموضوع ومن يُستشهد به وأي الموضوعات تتصدر الاهتمام وأيها يظل هامشيًا، ويكشف كذلك شبكات التعاون بين الجامعات والبلدان ومدى اندماج الباحثين من خارج المراكز المهيمنة في هذه الشبكات، وبذلك يتحول الرصد الكمي إلى مدخل لفهم اقتصاد المعرفة العالمي وعلاقات القوة فيه، وهو فهم ضروري لأي جامعة عربية تريد أن تخطط لتدويل مناهجها ومشاركتها البحثية بصورة واقعية، فتحدد شركاءها وتبني قدرات باحثيها وتختار مواقع إسهامها حيث تكون الفجوة أكبر والحاجة أصدق والأثر المتوقع أوضح، وتزداد قيمة هذه الخرائط حين تقترن بقراءات نوعية معمقة للأعمال المؤسسة في المجال ولمساراته المفاهيمية المتحولة عبر العقود، وتصلح كذلك منطلقًا لدراسات مقارنة بين مناطق العالم المختلفة في أولوياتها البحثية وأساليبها في بناء الشراكات الجامعية الدولية الواسعة
وخلاصة القول إن تدويل المناهج ميدان متنام لكنه متشظ مفاهيميًا ومتمركز جغرافيًا في بيئات محدودة، وإن نضجه المستقبلي يتوقف على أدلة تجريبية أرسخ وعلى إسهام أوسع من سياقات العالم غير الناطقة بالإنجليزية وفي مقدمتها السياق العربي بجامعاته وباحثيه








