تمهيد
يمكن التعلم الإحصائي البصري الإنسان من استخراج الانتظامات الكامنة في البيئة المحيطة وتوظيفها في تحسين توزيع الموارد الانتباهية أثناء البحث عن الأهداف، وقد أظهرت دراسات سابقة أن الجهاز البصري قادر على تعلم الاحتمالية المكانية لظهور الهدف والانتظامات المكانية الخاصة بسمات المشتتات، غير أنه ظل غير واضح كيف توجه الطوارئ الرابطة بين سمة الهدف وموقعه عملية البحث حين تتساوى الاحتمالية الكلية لظهور الهدف في المواقع مرتفعة الاحتمالية، وكيف ينعكس هذا التعلم في النشاط الكهربائي للدماغ، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى فحص أثر الانتظامات الإحصائية الرابطة بين السمة والموقع في البحث البصري وسبر مصوراتها العصبية بدقة، وهو سؤال يقع في صميم اهتمامات علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب المعرفي المعنيين بآليات الانتباه والإدراك البصري لدى الإنسان
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار كيفية توجيه اقتران سمة الهدف بموقعه لعملية البحث البصري وانعكاس ذلك في مؤشرات تخطيط الدماغ الكهربائي، واعتمدت نموذجا تجريبيا للبحث البصري تم فيه التلاعب باحتمالية موقع الهدف وبعلاقات التطابق بين السمة والموقع، مع تسجيل نشاط الدماغ الكهربائي بصورة متزامنة مع أداء المشاركين، وقارنت الدراسة بين ثلاثة شروط هي ظهور الهدف في موقع مرتفع الاحتمالية ومتطابق مع سمته، وظهوره في موقع مرتفع الاحتمالية وغير متطابق مع سمته، وظهوره في موقع منخفض الاحتمالية، وحللت أزمنة الاستجابة السلوكية وسعات مكونات الجهد المرتبط بالحدث، وعلى رأسها المكون المرتبط بتوجيه الانتباه نحو موقع الهدف والمكون الإيجابي المتأخر المرتبط بمراحل معالجة معرفية أعمق، ويتيح تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ بدقة زمنية عالية تتبع توقيت ظهور آثار التعلم الإحصائي عبر مراحل المعالجة البصرية المتعاقبة منذ لحظات الانتباه الأولى حتى مراحل المعالجة المتأخرة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج السلوكية أن أزمنة الاستجابة كانت أسرع بدلالة إحصائية حين ظهرت الأهداف في المواقع مرتفعة الاحتمالية والمتطابقة مع سماتها، مقارنة بظهورها في المواقع مرتفعة الاحتمالية وغير المتطابقة أو في المواقع منخفضة الاحتمالية
2، كشف التحليل بحسب سمة الهدف أن ميزة التطابق بين السمة والموقع ظهرت في الأهداف اللونية ولم تظهر في الأهداف الشكلية، بما يشير إلى خصوصية هذه الميزة بنوع السمة المستهدفة في البحث البصري
3، لم تظهر النتائج الفيزيولوجية فروقا دالة في سعة الموجة المرتبطة بتوجيه الانتباه نحو الهدف بين الشروط الثلاثة، بما يعني أن التعلم الإحصائي لم ينعكس في هذا المؤشر الانتباهي المبكر
4، كانت سعات المكون الإيجابي المتأخر أصغر بدلالة إحصائية في شرطي المواقع مرتفعة الاحتمالية كليهما مقارنة بشرط الموقع منخفض الاحتمالية عند حساب المتوسط عبر سمات الهدف المختلفة
5، لم تختلف سعات المكون الإيجابي المتأخر بدلالة إحصائية بين شرط التطابق وشرط عدم التطابق في المواقع مرتفعة الاحتمالية، وقدمت النتائج في مجملها دليلا على أن الانتظامات الإحصائية الرابطة بين السمة والموقع تؤثر في البحث البصري
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تثري هذه النتائج فهم العلماء لكيفية توظيف الدماغ للانتظامات البيئية في توجيه الانتباه بكفاءة، وتبرز أن تعلم اقتران السمات بالمواقع يمثل مستوى أعمق من التعلم الإحصائي يتجاوز مجرد تعلم احتمالية المواقع، كما تفيد مصممي الواجهات البصرية وبيئات العمل التي تتطلب بحثا بصريا سريعا ودقيقا، إذ يمكن ترتيب العناصر متكررة السمات في مواقع متوقعة لتسريع رصدها، وتفتح الدراسة أمام الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب آفاقا لدراسة التعلم الإحصائي البصري لدى عينات عربية وبأدوات تخطيط الدماغ الحديثة، ودراسة حدود هذه الظاهرة عبر سمات بصرية أخرى غير اللون والشكل وسياقات بحث أعقد تحاكي مواقف البحث البصري في الحياة اليومية وأماكن العمل
وخلاصة القول إن الانتظامات الإحصائية الرابطة بين سمة الهدف وموقعه توجه البحث البصري وتسرع رصد الأهداف، وإن ميزة التطابق بين السمة والموقع خاصة بالأهداف اللونية في هذه الدراسة، وإن انعكاس هذا التعلم يظهر في المكونات العصبية المتأخرة دون المبكرة، بما يدعو إلى مزيد من البحث في الشروط والسمات التي يتجلى فيها هذا التعلم العميق








