تمهيد
مع تسارع حضور الذكاء الاصطناعي في مجالات الفن والأدب وحل المشكلات، يبرز سؤال نفسي واجتماعي ملح حول كيفية إدراك البشر للإبداع وتقييمهم له حين يعرفون مصدره، فهل يحكم الناس على العمل ذاته بمعزل عن صانعه، أم تتسرب معرفتهم بالمصدر إلى أحكامهم فتغيرها، تُظهر الخبرة اليومية أن تسمية المصدر قد تصنع فرقًا، فالقصيدة ذاتها قد تبدو أعمق حين نعتقد أن إنسانًا كتبها بمعاناته وخبرته، وقد يبدو الرسم ذاته أقل أصالة حين ينسب إلى خوارزمية، غير أن الصورة قد تنقلب في مجالات أخرى كالتفكير التباعدي الذي يكافأ فيه توليد بدائل كثيرة وغير مألوفة، وهو ما توحي به الآلات سريعة التوليد، ومن هنا تتجه هذه الدراسة إلى فحص منهجي دقيق لكيفية تحيز تسميات الإنسان والذكاء الاصطناعي لتقييمات الإبداع عبر مجالات مختلفة، وما إذا كان هذا التحيز ثابت الاتجاه أم يتغير بتغير طبيعة المهمة الإبداعية ذاتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى فحص كيفية تحيز نسبة العمل الإبداعي إلى الذكاء الاصطناعي مقابل الإنسان لتقييمات الإبداع عبر مجالات متباينة، واعتمدت ثلاث تجارب متكاملة، تناولت التجربة الأولى مجالي الرسم والشعر، إذ قارنت تقييمات مخرجات موسومة بأنها من إبداع الإنسان بمخرجات مطابقة لها موسومة بأنها من إنتاج الذكاء الاصطناعي، وتلاعبت التجربة الثانية بنسبة الأعمال مشتركة الإبداع بين الإنسان والذكاء الاصطناعي لاستكشاف أثر صور التعاون المختلفة في الأصالة المدركة في الرسم والشعر، واستخدمت التجربة الثالثة مهمة للتفكير التباعدي هي اختبار الاستخدامات البديلة، وقارنت تقييمات المنتج ذاته حين يحمل تسمية الإنسان وحين يحمل تسمية الذكاء الاصطناعي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، في التجربة الأولى، قُيمت المخرجات الموسومة بأنها من إبداع الإنسان بأنها أكثر إبداعًا من المخرجات المطابقة لها والموسومة بأنها من إنتاج الذكاء الاصطناعي، وذلك في مجال الإبداع الفني بشقيه الرسم والشعر
2، في التجربة الثانية، عززت تسمية التصور البشري بمساعدة الذكاء الاصطناعي الأصالة المدركة في الشعر، بينما ظلت الأعمال المنسوبة أساسًا إلى البشر مهيمنة ومتفوقة في تقييمات الرسم
3، في التجربة الثالثة انعكس النمط انعكاسًا لافتًا، إذ تلقى المنتج ذاته تقييمات إبداع أعلى حين حمل تسمية الذكاء الاصطناعي في مهمة التفكير التباعدي واختبار الاستخدامات البديلة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف النتائج عن نمط خاص بالمجال في المواقف من إبداع الذكاء الاصطناعي، فالبشر ينظرون إلى التعاون مع الآلة نظرة إيجابية نسبيًا، لكنهم يبقون على تحيز مستمر في تقدير المساهمات الإبداعية للذكاء الاصطناعي حين يتعلق الأمر بالفن المرتبط بالخبرة الإنسانية والأصالة الوجدانية، بينما يمنحونه الأفضلية حين تكون المهمة توليدية تباعدية تقاس بعدد البدائل وغرابتها، وتحمل هذه النتائج دلالات مهمة للمحكمين في المسابقات الفنية والأدبية وللمؤسسات الثقافية ومنصات المحتوى في عصر تتداخل فيه النصوص والصور البشرية والآلية، إذ تنبه إلى أن الإفصاح عن المصدر ليس إجراء محايدًا بل عامل مؤثر في الحكم ذاته، وتفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم نفس الإبداع والذكاء الاصطناعي أسئلة خصبة حول اتجاهات الجمهور العربي من المحتوى المولد آليًا وحدود قبوله في الشعر والفن والسرد، وتتصل هذه الدراسة بحوارات أوسع حول مستقبل الصناعات الإبداعية وأسواق العمل الثقافية، إذ يتزايد حضور الأدوات التوليدية في كتابة النصوص وإنتاج الصور والموسيقى، وتتردد المؤسسات بين التشجيع على توظيفها والتحفظ على آثارها في قيمة العمل البشري، ويساعد الفهم الدقيق لتحيزات التقييم الخاصة بكل مجال على صياغة سياسات إفصاح واعية ومسابقات أعدل ومعايير جودة لا تعاقب العمل لمجرد مصدره ولا تكافئه لمجرد نسبته إلى آلة، بل تنظر في قيمته الفنية ذاتها وفي السياق الإنساني الذي أُنتج فيه
وخلاصة القول إن حكم الإنسان على الإبداع لا ينفصل عن حكمه على مبدعه، فتسمية المصدر تحيز التقييم لصالح الإنسان في الفنون وتقلبه لصالح الآلة في التفكير التباعدي، وهو ما يجعل وعي المحكمين والمؤسسات بهذا التحيز شرطًا لعدالة التقييم في زمن الإبداع المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي








