تمهيد
يطرح التسارع الرقمي الذي تشهده اقتصادات كثيرة سؤالًا جوهريًا عما إذا كان التحول الرقمي السريع يقود بالضرورة إلى تنمية جغرافية عادلة، ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في المملكة العربية السعودية التي تستثمر بكثافة في البنية التحتية الرقمية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، إذ يمكن أن يتقدم الاقتصاد الرقمي بسرعة في المراكز الحضرية الكبرى بينما تتخلف مناطق أخرى في القدرات والاستخدام الفعلي، ومن هنا تبحث هذه الدراسة في العلاقة بين التقدم الرقمي والشمول الرقمي عبر المناطق الإدارية السعودية، وتقدم للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا نموذجًا تحليليًا متقدمًا لقياس عدالة التنمية الرقمية مكانيًا على مدى زمني طويل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث الديناميات المتزامنة والمكانية للتنمية الرقمية والشمول الرقمي داخل المناطق الإدارية في المملكة العربية السعودية خلال المدة من عام 2012 إلى عام 2024، ووظفت الدراسة تقنيات تقارب بيتا وتقارب سيغما وتحليل عدم المساواة بطريقة ثايل ونماذج دوربن المكانية لتحديد ما إذا كان التقدم الرقمي الناجح يترجم فعليًا إلى شمول رقمي أفضل، وميز التحليل بين مؤشر التقدم الرقمي الذي يقيس تطور البنية والخدمات الرقمية وبين درجة الشمول الرقمي التي تقيس انتشار الاستخدام والقدرات بين السكان، بما يتيح فصل مسار التوسع التقني عن مسار العدالة في توزيعه بين المناطق والسكان
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج وجود فجوة كبيرة بين التحسن التقني ونتائجه على صعيد العدالة، إذ كشف مؤشر التقدم الرقمي عن تقارب يتحقق بمعدل 4.71 في المئة سنويًا بين المناطق، بينما لم تتجاوز درجة الشمول الرقمي معدل تقارب قدره 1.41 في المئة سنويًا
2، تبين أنه رغم الانخفاض الكبير في انتشار التقدم الرقمي بين المناطق، لم يتجاوز الانخفاض في عدم مساواة الشمول الرقمي نسبة 15 في المئة، وظل هذا المؤشر راكدًا بعد عام 2020، بما يعني أن المناطق الأقل شمولًا لا تلحق بالمناطق المتقدمة رقميًا بالوتيرة ذاتها
3، أشار تحليل ثايل إلى أن مكون عدم المساواة داخل المناطق انخفض من 69.7 في المئة إلى 39.8 في المئة، بينما اتسعت فجوة عدم المساواة بين المناطق، وهو ما يكشف أن التفاوت ينتقل تدريجيًا من داخل المناطق إلى ما بينها
4، أظهرت تقديرات النماذج المكانية أن البنية التحتية الرقمية تمارس تأثيرًا إيجابيًا يمتد عبر المناطق، فالتقدم الرقمي في منطقة ما يولد منافع أوسع تمتد إلى جيرانها، غير أن هذه المنافع وحدها غير كافية لحل مشكلات الشمول الرقمي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدحض النتائج الاعتقاد الشائع بأن الرقمنة السريعة تجلب تنمية شاملة جغرافيًا من تلقاء نفسها، إذ تسير عمليتا التقدم الرقمي والشمول الرقمي على مساري تقارب منفصلين، وتدعو الدراسة إلى الانتقال من الرقمنة القائمة على البنية التحتية إلى سياسات قائمة على المكان تستثمر في القدرات الرقمية والقدرة على تحمل التكاليف وإمكانية الوصول ومعالجة العوائق الاقتصادية، وهي دعوة ذات أهمية مباشرة لتنفيذ رؤية السعودية 2030 ولاقتصادات أخرى سريعة الرقمنة، كما تفتح أمام الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا آفاقًا لدراسة الشمول الرقمي على مستوى المحافظات والمدن وربطه بمتغيرات التعليم والدخل والتركيبة السكانية وجودة الخدمات
كما تمنح هذه الدراسة الباحثين العرب إطارًا مفاهيميًا يميز بين توسيع البنية الرقمية وبين تحقيق الشمول الرقمي الفعلي، وهو تمييز جوهري عند تقييم برامج التحول الرقمي الحكومية التي كثيرًا ما تقاس نجاحاتها بعدد الخدمات المؤتمتة أو بنسب التغطية، بينما يظل السؤال الأعمق متعلقًا بمن يستخدم هذه الخدمات فعلًا وبأي كلفة وبأي مستوى من المهارة، ويمكن توظيف أدوات الدراسة في تقييم مبادرات رقمية قطاعية في التعليم والصحة والخدمات البلدية عبر مناطق المملكة والدول العربية، بما يجعل العدالة المكانية معيارًا حاضرًا في تصميم السياسات لا مجرد نتيجة لاحقة لها
وخلاصة القول إن بناء الشبكات والمنصات نصف الطريق فقط، أما النصف الآخر فهو بناء الإنسان القادر على استخدامها والمنتفع بها في كل منطقة، ومن يتأمل نتائج هذه الدراسة من الباحثين العرب يدرك أن عدالة التنمية الرقمية لا تقاس بسرعة انتشار التقنية وحدها بل باتساع دائرة المنتفعين بها في كل مكان








