تمهيد
تلعب ثقافة المؤثرين دورًا متناميًا في تشكيل الاستهلاك المستدام، إذ يحوّل المؤثرون الرقميون عبر منصات التواصل الاجتماعي قضايا البيئة والاستدامة إلى محتوى يومي يتابعه ملايين المستهلكين ويتأثرون به في قراراتهم الشرائية وأنماط حياتهم، غير أن ما يُعرف عن الاستراتيجيات الرمزية والجمالية والعاطفية التي تُمرَّر عبرها رسائل الاستدامة ما يزال قليلًا، والأقل منه معرفة هو كيفية فك جماهير الجيل زد لشفرات هذه الرسائل وتفسيرها، فهم جيل نشأ داخل البيئة الرقمية ويتعامل مع المؤثرين بوصفهم وسطاء ثقافيين لا مجرد معلنين، ومن هنا تبحث هذه الدراسة في كيفية تواصل المؤثرين الرقميين في البرتغال حول الاستدامة على منصة إنستغرام، وكيفية تلقي جماهير الجيل زد لهذا التواصل والحكم على صدقه وجدواه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم كيفية بناء خطاب الاستدامة على إنستغرام وكيفية تفسيره لدى الجيل زد، واعتمدت تصميمًا نوعيًا من مرحلتين، ففي المرحلة الأولى طبّقت تحليلًا بصريًا لفظيًا للفيديو على مئتي مقطع قصير منشور على إنستغرام عبر أربع فئات من المؤثرين هي العملاقة والكبيرة والصغيرة والمتناهية الصغر، ورصدت كيف يشكّل التماسك العاطفي والجهد الجمالي والتمايز الرمزي تواصل الاستدامة في كل فئة، أما المرحلة الثانية فأجرت مناقشات مجموعات مركزة مع تسعة وعشرين مستخدمًا برتغاليًا من الجيل زد، باستخدام محفزات حول الاستهلاك المستدام والأصالة والانخراط العاطفي، لاستكشاف كيفية تفسير المشاركين للإشارات العاطفية وتقييمهم للأصالة وتفاوضهم حول الثقة بالمؤثرين ورسائلهم
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت الدراسة عن اقتصاد رمزي متطبّق لنفوذ الاستدامة، إذ يعطي المؤثرون العملاقون والكبار الأولوية لجماليات العلامات التجارية والنبرة الطموحة، فيزاح خطاب الاستدامة غالبًا إلى قوالب أنماط الحياة البراقة
2، يضمّن المؤثرون الصغار والمتناهون في الصغر القيم البيئية عبر البساطة البصرية والحميمية العاطفية والسرد المسيّس، فيبدو خطابهم أقرب إلى تجربة معيشة يومية صادقة
3، أبدى مشاركو الجيل زد ثقة متناقضة تجاه رسائل المؤثرين، فاعتمدوا في الحكم عليها على الصدى العاطفي والتماسك الأسلوبي أكثر من اعتمادهم على الادعاءات الصريحة المعلنة
4، برزت عروض الإخلاص المتمثلة في البساطة الجمالية والتعديل العاطفي والضبط الرمزي مؤشرات أساسية للمصداقية المدركة لدى الجمهور، لا حجم المتابعين ولا قوة العلامة التجارية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن الاستدامة على إنستغرام تعمل بوصفها أداء عاطفيًا أكثر من كونها خطابًا معلوماتيًا، فالمؤثرون وسطاء ثقافيون يجمّلون الحياة الأخلاقية عبر نصوص أدائية مقروءة عاطفيًا، ويشكّلون بذلك كيفية تصوّر الاستدامة وتفسيرها وممارستها داخل ثقافة المستهلك الرقمية المعاصرة، وهي نتيجة ذات دلالة عملية للعلامات التجارية والمنظمات البيئية وصناع المحتوى العربي، إذ تبين أن الوصول إلى الجمهور الشاب لا يتحقق بكثافة الادعاءات الخضراء بل باتساق الأداء وصدق الأسلوب، كما يستفيد الباحثون في الإعلام والاتصال وطلاب الدراسات العليا من منهجية الدراسة المزدوجة التي تجمع بين تحليل المحتوى المنتَج وتحليل تلقيه لدى الجمهور في إطار واحد متكامل
وتتفرع عن هذه النتيجة أسئلة بحثية وتطبيقية غنية، فأداء الإخلاص الذي رصده المشاركون ليس براءة دائمة بل رصيدًا قابلًا للنفاد حين تنكشف شراكات تجارية غير معلنة أو يظهر تناقض بين الخطاب والممارسة، كما أن اختلاف المنصات الصاعدة وتبدل خوارزمياتها يعيدان تشكيل هذا الاقتصاد الرمزي باستمرار، بما يستدعي دراسات طولية تتتبع مؤثرين بعينهم عبر الزمن، وفي السياق العربي تتخذ الاستدامة أبعادًا إضافية تتصل بالماء والطاقة والاستهلاك الموسمي والمناسبات الاجتماعية، فيحتاج محتواها إلى وسطاء يجيدون التعبير عنها بلغة الجمهور اليومية وقيمه الثقافية لا باستيراد قوالب جاهزة من سياقات أخرى، وهو ما يجعل دراسة المؤثرين المحليين الصغار والقريبين من جمهورهم مدخلًا واعدًا لفهم أوسع لقنوات التغيير السلوكي المستدام
وخلاصة القول إن فهم الاستدامة على منصات التواصل يتطلب النظر إليها بوصفها ممارسة رمزية وعاطفية يتوسطها المؤثرون ويعيد الجمهور تفسيرها وفق صدى مشاعره واتساق ما يراه، لا بوصفها رسائل معلوماتية تُقاس بصراحة ادعاءاتها فحسب








