تمهيد
طُوّرت البيداغوجيا النسقية على يد أنجليكا أولفيرا في مركز كوديك المتخصص، وطُبّقت في مدارس في إسبانيا وأمريكا اللاتينية بوصفها مقاربة تربوية تنظر إلى الطالب في سياق علاقاته الأسرية والاجتماعية والمدرسية المتشابكة، غير أن الأدلة الكمية على فاعليتها ظلت غائبة رغم انتشارها التطبيقي، إذ لم تختبر دراسات سابقة بأدوات إحصائية صارمة ما إذا كان طلاب الفصول المطبقة لهذه المقاربة يحققون أداء أكاديميًا ملاحظًا أعلى من أقرانهم في اللغة والرياضيات، وتأتي هذه الدراسة الاستطلاعية التجريبية لتسد هذه الفجوة باختبار أولي دقيق يمهد لبحوث أوسع وأكثر تعمقًا في هذا الحقل الواعد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ما إذا كان طلاب الفصول المطبقة للبيداغوجيا النسقية يظهرون أداء أكاديميًا ملاحظًا أعلى في اللغة الإسبانية والرياضيات في الصفين الأول والثاني من التعليم الابتدائي مقارنة بفصول الضبط، واعتمدت تصميمًا شبه تجريبي بالقياسين القبلي والبعدي مع فصل واحد لكل شرط في كل صف، وشارك فيها تسعة وستون طالبًا توزعوا بواقع ثلاثة وثلاثين طالبًا في الصف الأول وستة وثلاثين طالبًا في الصف الثاني، واتخذت الدراسة درجات سلالم التقدير بالملاحظة المباشرة التي يقيّم بها المعلمون الأداء الأكاديمي الملاحظ متغيرات تابعة، وحللت البيانات بتحليل التغاير مع اتخاذ درجات القياس القبلي متغيرًا مصاحبًا، واستند تفسير النتائج إلى نظريتي الضبط والقيمة وتقرير المصير
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت التحليلات الرئيسة الأربعة جميعها فروقًا دالة إحصائيًا بين المجموعتين عند مستوى دلالة لا يتجاوز 0.003، بما يشير إلى تفوق متسق لفصول البيداغوجيا النسقية في اللغة والرياضيات عبر الصفين الأول والثاني
2، تراوحت أحجام الأثر بين الكبيرة والكبيرة جدًا، إذ بلغت قيم حجم الأثر الجزئي بين 0.225 و0.540، وتراوحت قيم معامل حجم الأثر الآخر بين 0.40 و1.16، وهي قيم تعكس فروقًا ذات وزن تربوي ملموس
3، تراجعت مجموعة الضبط في الصف الثاني في مادة اللغة تراجعًا طفيفًا بلغ 0.044 عند مستوى دلالة 0.025، ولم تحقق أي مكاسب في الرياضيات، في مقابل تقدم واضح لمجموعة البيداغوجيا النسقية في المادتين
4، كشفت نتائج المقاييس الفرعية عن نمط وصفي متسق عبر الصفين يوحي باحتمال وجود تقدم زمني، فقد ظهرت الفروق الأكبر في الأبعاد العلائقية والإجرائية في الصف الأول، بينما ظهرت الفروق الأكبر في الأبعاد المعرفية في الصف الثاني
5، يظل اختبار تسلسل هذا التقدم الزمني اختبارًا حقيقيًا رهنًا بقياس طولي يتتبع الفوج نفسه عبر الزمن، فالتصميم الحالي لا يسمح بالجزم بأن النمط الملاحظ يمثل مسار نمو فعليًا لدى الطلاب أنفسهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تعد هذه النتائج أولية ومولدة للفرضيات أكثر منها حاسمة، وتتطلب تكرارًا بعينات أكبر وعدد أرحب من الفصول لكل شرط ومقيّمين خارجيين معصوبي الأعين عن انتماء الفصول للمجموعتين، غير أنها تمنح الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في المناهج وطرق التدريس نموذجًا منهجيًا لكيفية اختبار المقاربات التربوية المستوردة أو المطورة محليًا اختبارًا كميًا رصينًا قبل تعميمها، كما تلفت نظر صانعي السياسات التعليمية إلى أن البعد العلائقي والنسقي في التعليم الابتدائي قد لا يكون ترفًا تربويًا بل مدخلًا مؤثرًا في التحصيل اللغوي والرياضي المبكر، وتدعو إلى الاستثمار في دراسات طولية عربية تختبر مقاربات مشابهة تراعي السياق الأسري والاجتماعي للطالب
وتثير الدراسة من زاوية أوسع سؤالًا مشروعًا عن قابلية نقل المقاربات النسقية من سياقاتها الثقافية الأصلية إلى سياقات أخرى ومنها السياق العربي الذي يحتل فيه البعد الأسري والعلائقي مكانة مركزية في حياة الطالب، فقد تجد المدارس العربية في هذا التوجه أرضية خصبة للتجريب الحذر شريطة تكييفه ثقافيًا وتقويمه بأدلة كمية عربية المنشأ لا بمجرد الاستناد إلى نجاحات موثقة في بيئات مغايرة
وخلاصة القول إن البيداغوجيا النسقية أظهرت في هذه الدراسة الاستطلاعية مؤشرات واعدة على رفع الأداء الأكاديمي الملاحظ في اللغة والرياضيات لدى طلاب الصفين الأول والثاني الابتدائي بأحجام أثر كبيرة، وإن ظلت الحاجة قائمة إلى أدلة أوسع وأطول أمدًا قبل اعتمادها سياسة تعليمية عامة، لتظل قيمتها الآنية في فتح باب البحث الكمي الجاد في مقاربة إنسانية المنحى








