تمهيد
أفرز الاستخدام المفرط للأجهزة المحمولة في السياق المعاصر ظواهر نفسية وسلوكية جديدة، في مقدمتها النوموفوبيا وهي الخوف غير العقلاني من البقاء دون هاتف محمول أو انقطاع الاتصال به، وظاهرة تجاهل المحيطين انشغالًا بالهاتف التي يقدم فيها الفرد هاتفه على من يجالسهم ويتفاعل معهم وجهًا لوجه، وتنتشر هاتان الظاهرتان بوتيرة متصاعدة بين الشباب ولا سيما في البيئات الجامعية، وقد يمتد أثرهما إلى جوانب جوهرية من سلامة الطالب ومن أبرزها أنماط النوم، فالنوم ركيزة للأداء الأكاديمي والصحة النفسية، وأي اضطراب فيه ينعكس على التحصيل والتركيز والمزاج، فالهاتف الذي يرافق الطالب إلى سريره يطيل زمن الاستغراق في النوم ويقتطع من مدته ويشوش إيقاعه، كما أن القلق من فوات الاتصال يبقي الذهن في حالة تنبه تناقض الاسترخاء اللازم لنوم عميق، ومن هنا تنبع أهمية فحص العلاقة بين النوموفوبيا وتجاهل المحيطين وأنماط النوم القاصرة لدى طلبة الجامعة، وهم فئة تعيش ضغوطًا أكاديمية وتغيرات نمائية تجعل نومها هشًا أصلًا وقابلًا للتأثر السريع بالعادات الرقمية المستحدثة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل الارتباط بين النوموفوبيا وتجاهل المحيطين انشغالًا بالهاتف وأنماط النوم القاصرة لدى طلبة الجامعة، والتحقق مما إذا كانت الظاهرتان منبئين دالين بهذه الأنماط، وفحص إسهام كل متغير على حدة في النوم، واعتمدت الدراسة تصميمًا كميًا غير تجريبي مقطعيًا ذا نطاق ارتباطي تفسيري، أجريت بين شهري مارس ويونيو من عام 2023، وبلغت عينتها 533 طالبًا من جامعة خاصة في بيرو تراوحت أعمارهم بين 18 و24 عامًا واختيرت بأسلوب غير احتمالي، وجمعت البيانات بأداتين مقننتين هما الاستبانة القصيرة للنوموفوبيا والمقياس الموجز لتجاهل المحيطين، وهما أداتان تتمتعان باتساق داخلي قوي يعضد الثقة بنتائجهما، وقد فحصت الدراسة أنماط النوم القاصرة في ثلاثة أوجه رئيسة هي السهر المتأخر والأرق وقصر مدة النوم، بما يتيح صورة مركبة لاضطراب النوم تتجاوز مؤشرًا وحيدًا مبسطًا، وبما يمكن من معرفة ما إذا كانت الظواهرتان الرقميتان تؤثران في أوجه النوم كلها أم في بعضها دون بعض
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج وجود ارتباطات موجبة متوسطة بين النوموفوبيا وتجاهل المحيطين انشغالًا بالهاتف وأنماط النوم القاصرة، فكلما ازداد تعلق الطالب بهاتفه وتجاهله لمحيطه ازدادت احتمالات اضطراب نومه وتردي جودته، ويعني الارتباط المتوسط أن العلاقة قائمة وملحوظة دون أن تكون حتمية، فهي تتفاعل مع عوامل أخرى في حياة الطالب كضغوط الدراسة وعادات المذاكرة والمنبهات، غير أن ثبات اتجاهها يجعلها هدفًا مشروعًا للتدخل الوقائي
2، بين تحليل الانحدار الخطي أن المتغيرين المنبئين فسرا ما نسبته 45.1 في المئة من التباين في أنماط النوم القاصرة، وهي نسبة كبيرة تبرز ثقل السلوك الرقمي في تفسير جانب مهم من مشكلات نوم الطلبة الجامعيين
3، أثرت النوموفوبيا بدلالة إحصائية في جميع أنماط النوم الثلاثة المحللة وهي السهر المتأخر والأرق وقصر مدة النوم، بينما اقتصر أثر تجاهل المحيطين الدال على قصر مدة النوم وحده، بما يمنح النوموفوبيا حضورًا أوسع في اضطراب النوم الجامعي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج أهمية معالجة الاستخدام المفرط للأجهزة المحمولة في البيئات الجامعية، إذ تؤثر النوموفوبيا وتجاهل المحيطين معًا في جودة نوم الطلبة بما يهدد أداءهم الأكاديمي وصحتهم النفسية، ومن ثم توصي الدراسة ببرامج توعية وترشيد لاستخدام الهاتف قبل النوم وخدمات إرشاد جامعي ترصد هذه الظواهر مبكرًا، وتوصي البحوث المستقبلية باستكشاف أثر الظاهرتين في الصحة النفسية وتقويم تدخلات للحد منهما ومن انعكاساتهما على الأداء الأكاديمي، وللباحثين العرب وطلبة الدراسات العليا تمثل الدراسة دعوة لفحص هاتين الظاهرتين في الجامعات العربية التي تشهد انتشارًا واسعًا للهواتف الذكية بين شبابها وطلبتها، كما يمكن لأقسام شؤون الطلبة والإرشاد النفسي الجامعي أن تستثمر نتائجها في تصميم حملات رقمية مضادة تستخدم القنوات ذاتها التي يستخدمها الطلبة، وفي إدراج صحة النوم ضمن برامج التهيئة الجامعية للطلبة المستجدين منذ عامهم الأول
وخلاصة القول إن النوموفوبيا وتجاهل المحيطين انشغالًا بالهاتف يرتبطان بأنماط نوم قاصرة لدى طلبة الجامعة ويفسران حصة كبيرة من تباينها، وتتصدر النوموفوبيا المشهد بأثرها في السهر والأرق وقصر النوم، وهو ما يجعل ترشيد العلاقة بالهاتف المحمول مدخلًا عمليًا لحماية نوم الطلبة وصحتهم وأدائهم الأكاديمي








