تمهيد
تسعى برامج التدريب البحثي الجامعية إلى استقطاب طلبة متنوعين وإعدادهم لمسارات علمية وبحثية واعدة، وتتبنى كثير منها عمليات اختيار شمولية تنظر إلى المتقدم بوصفه كلًا متكاملًا لا إلى درجاته فحسب، غير أن الدراسات التي فحصت العلاقة بين خصائص الطلبة وقبولهم فعليًا في برامج تستخدم الاختيار الشمولي قليلة جدًا، ومن ثم ظلت أسئلة جوهرية بلا إجابة كافية، منها مدى تمثيل المتقدمين لمجتمع الحرم الجامعي الأوسع، وما إذا كان المقبولون يختلفون عن غير المقبولين في تخصصاتهم وخلفياتهم وخصائصهم النفسية والاجتماعية، وتكتسب هذه الأسئلة وزنًا إضافيًا من كون تنويع القوى العاملة البحثية هدفًا معلنًا للجهات الممولة والجامعات معًا، فبرامج التدريب البحثي بوابة مبكرة تصنع عندها مسارات كثير من العلماء المستقبليين، وأي اختلال خفي في مدخلها يتضاعف أثره في مراحل لاحقة من السلم الأكاديمي والمهني، وهو ما تتصدى له هذه الدراسة في سياق برامج تدريب بحثي ممولة من المعاهد الوطنية للصحة في إحدى الجامعات الأمريكية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحقيق غايتين، أولاهما فحص مدى تمثيل المتقدمين إلى برامج التدريب لمجتمع الحرم الجامعي الأوسع، وثانيتهما بحث ما إذا كان المقبولون بالاختيار الشمولي يختلفون عن غير المقبولين في التخصص الأكاديمي والخصائص السكانية والنفسية والاجتماعية، وشملت الدراسة ثلاثة برامج تدريب بحثية للمرحلة الجامعية الأولى بجامعة ولاية كاليفورنيا في لونغ بيتش، واستندت إلى بيانات مؤسسية وبيانات طلبات الالتحاق حول التخصصات والعرق والإثنية والجنس، مصنفة التخصصات إلى طبية حيوية وسلوكية، ومحددة الطلبة غير الممثلين تمثيلًا كافيًا بمن عرفوا أنفسهم بأنهم من أصول أفريقية أو أمريكية أصلية أو هاوايية ومحيطية أو إسبانية، كما قيست الخصائص النفسية والاجتماعية باستبانة إلكترونية مستقلة، وأخذت حالة القبول من سجلات البرامج ذاتها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج تشابه توزيع الخصائص السكانية بين مجموعة المتقدمين ومجموعة غير المتقدمين فيما يتصل بحالة التمثيل غير الكافي والجنس، فلم يكن الطلبة من الفئات غير الممثلة ولا الإناث أقل إقبالًا على التقدم إلى البرامج من غيرهم
2، لم ترتبط خصائص الطلبة من تخصص أكاديمي وغيره من المتغيرات السكانية بحالة التقدم ذاتها في مستويي الأقسام الدنيا والعليا، بما يشير إلى أن قرار التقدم إلى برامج التدريب البحثي لا تحكمه هذه العوامل الديموغرافية بصورة مباشرة
3، أظهرت تحليلات لاحقة أن خصائص نفسية لم تدخل أصلًا في عملية الاختيار ارتبطت بالقبول، إذ كان متقدمو الأقسام الدنيا الأعلى مثابرة وجلدًا أكثر ترجيحًا للقبول، وكان متقدمو الأقسام العليا الأعلى اهتمامًا بالعلوم أكثر ترجيحًا للقبول من غيرهم
4، أفضى الاختيار الشمولي إلى معدلات قبول متقاربة عبر حالة التمثيل غير الكافي والجنس، غير أنه مال عمليًا إلى تفضيل الأعلى مثابرة في المستويات الدنيا والأعلى اهتمامًا علميًا في المستويات العليا، بما يضيء جوانب خفية في كيفية عمل هذا النمط من الاختيار
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير هذه النتائج إلى أن برامج التدريب البحثي قادرة على استقطاب طلبة متنوعين من الفئات غير الممثلة في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات حين تقترن جهود التواصل والاستقطاب المقصودة بعملية اختيار موضوعية وشمولية، كما تنبه مصممي برامج التدريب إلى مراقبة ما تفضله عمليات الاختيار ضمنيًا من سمات كالمثابرة والاهتمام العلمي حتى لا تتحول إلى مزايا غير معلنة لفئات دون أخرى، وللباحثين العرب وطلبة الدراسات العليا في التعليم العالي تطرح الدراسة تساؤلات خصبة حول عدالة الاختيار في برامج المنح والتدريب البحثي بالجامعات العربية وسبل دراستها مؤسسيًا وتطويرها اعتمادًا على بيانات القبول والتقدم الفعلية لا على الانطباعات العامة، فمن دون فحص دوري لبيانات المتقدمين والمقبولين تبقى دعاوى العدالة في الاختيار شعارات غير ممتحنة، بينما يحولها التحليل المؤسسي المنتظم إلى سياسات قابلة للمساءلة والتحسين المستمر
وخلاصة القول إن المتقدمين إلى برامج التدريب البحثي مثلوا مجتمع جامعاتهم تنوعًا، وإن الاختيار الشمولي حقق قبولًا متقاربًا عبر الفئات والجنس، مع ميل ضمني لتفضيل الأعلى مثابرة واهتمامًا بالعلوم، وهو ما يجعل الجمع بين الاستقطاب المقصود والاختيار الشمولي المراقب ذاتيًا وصفة عملية لتنويع الكفاءات البحثية المستقبلية








