تمهيد
يؤدي معلمو المعلمين دورًا مفصليًا في إعداد معلمي الموسيقى العامين، إذ ينقلون إليهم المعرفة الموسيقية والمعرفة التعليمية المتعلقة بتدريس الموسيقى معًا، ويحتل تعليم قيادة الغناء الجماعي موقعًا خاصًا في هذا الإعداد لما يتطلبه من تفاعل حي بين الأداء الصوتي والإيماء القيادي وإدارة المجموعة الصفية، غير أن الاستراتيجيات التي يوظفها معلم خبير حين ينمذج تعليم الأغاني أمام الطلبة المعلمين ومعهم ظلت غير موثقة بعناية كافية، إذ إن كثيرًا من هذه الاستراتيجيات معرفة ضمنية تظهر في الممارسة أكثر مما تصرح بها الأدبيات، ويعد الغناء الجماعي من أقدم أنشطة التربية الموسيقية المدرسية وأوسعها انتشارًا، إذ يجمع بين تنمية الحس الموسيقي وبناء الذائقة وتعزيز العمل الجماعي والانضباط الإيقاعي لدى المتعلمين، ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتصوير تلك الاستراتيجيات مفاهيميًا وتوثيقها تجريبيًا بما يخدم تطوير مصطلحات مناهج التدريس وأساليبه وتمييزها، وبما يمد جسورًا بين خبرة الممارسين المتراكمة وتنظير الباحثين لأساليب التدريس الفني
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء تصور مفاهيمي للاستراتيجيات التي توظفها معلمة تربية موسيقية خبيرة وتوثيقها تجريبيًا أثناء نمذجتها تعليم الغناء لطلبة معلمين قبل الخدمة، وقد بدأت الدراسة بمقابلة أولية مع المعلمة، ثم صورت بالفيديو وهي تدرس أغنيتين، واعتمدت التحليلات الدقيقة للتسجيلات المصورة لاستخلاص الاستراتيجيات العاملة في نمذجتها التعليمية، مع عناية خاصة بطبيعة هذه الاستراتيجيات التي يتبين أنها ليست دائمًا مفاهيم محددة بوضوح صارم، بل أنماط نموذجية أولية خاصة بالمجال المعرفي للموسيقى، يستلزم فهمها ربط الملاحظة الميدانية الدقيقة بالتأمل النظري في طبيعة المادة المدرسة وخصوصيتها، إذ يتيح التحليل الدقيق للمقاطع المصورة تتبع القرارات التعليمية لحظة بلحظة، من إيماءة البدء ونبرة الصوت إلى ترتيب التكرار وانتقالات الأداء، فتتحول الممارسة العابرة أمام الكاميرا إلى مادة قابلة للوصف والتصنيف وبناء المفاهيم
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حددت الدراسة استراتيجية الاستمرارية الموجهة بالهدف، وفيها تحافظ المعلمة على مسار تعليمي متصل موجه نحو هدف الغناء الجماعي، فلا تنقطع سلسلة الأنشطة ولا يتشتت انتباه المتعلمين بين مهام غير مترابطة، وتبقى كل خطوة جزئية في الدرس خادمة للصورة الكلية للأغنية المستهدفة إتقانها أداء وقيادة
2، برزت استراتيجية العمل بالأمثلة، إذ تقدم المعلمة نماذج صوتية وحركية ملموسة يحتذي بها المتعلمون بدل الاكتفاء بالشرح النظري المجرد لطريقة قيادة الأغنية وأدائها الجماعي
3، ظهرت استراتيجية النمذجة والمتابعة والتلاشي التدريجي، وفيها تعرض المعلمة الأداء نموذجًا كاملًا ثم تتابع أداء المتعلمين وتقومه لحظة بلحظة، مع سحب دعمها تدريجيًا كلما ازدادت استقلاليتهم وقدرتهم على قيادة الغناء بأنفسهم، وهي استراتيجية تنقل مسؤولية الأداء من المعلمة إلى المتعلم انتقالًا محسوبًا لا يترك المبتدئ وحيدًا قبل أوانه ولا يبقيه أسير التبعية للنموذج
4، رصدت الدراسة استراتيجية التوسيع التوليدي، إذ تبني المعلمة على إنتاج المتعلمين وتولد منه توسعات موسيقية جديدة تثري الأداء، إلى جانب استراتيجية السعي نحو الصورة الجمالية التي توجه الأداء الجماعي نحو اكتمال فني يتجاوز مجرد صحة النغمات إلى التعبير والتذوق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه الدراسة على دلالات مهمة لإعداد معلمي الموسيقى، إذ تكشف أن الخبرة التعليمية في مجال فني كالغناء تتجسد في استراتيجيات نوعية لا تستنفدها مصطلحات أساليب التدريس العامة، ومن ثم تدعو الحاجة إلى توسيع المفردات الاصطلاحية المستخدمة عادة في وصف طرائق التدريس وتمييزها بعناية ومراعاة خصوصية المادة الدراسية عند بناء هذه المفاهيم، وللباحثين العرب وطلبة الدراسات العليا في التربية الموسيقية ومناهج التدريس تقدم الدراسة أنموذجًا منهجيًا لتوثيق المعرفة الضمنية للمعلمين الخبراء عبر الملاحظة المصورة والتحليل الدقيق، يمكن استثماره في مجالات فنية وتعليمية أخرى كتدريس العزف والفنون البصرية والتربية الرياضية، كما تصلح الاستراتيجيات الموثقة محتوى تدريبيًا في برامج التنمية المهنية لمعلمي الموسيقى أثناء الخدمة، إذ تمنحهم مرآة مفاهيمية يقرؤون بها ممارساتهم ويطورونها بوعي
وخلاصة القول إن معلمة التربية الموسيقية الخبيرة توظف حزمة من الاستراتيجيات الدقيقة أثناء نمذجة تعليم قيادة الغناء، أبرزها الاستمرارية الموجهة بالهدف والعمل بالأمثلة والنمذجة والمتابعة والتلاشي التدريجي والتوسيع التوليدي والسعي نحو الصورة الجمالية، وتوثيق هذه الاستراتيجيات مفاهيميًا وتجريبيًا خطوة نحو مصطلحات تعليمية أصدق تعبيرًا عن خصوصية المجال الموسيقي








