تمهيد
يؤدي الصمود النفسي دورًا بالغ الأهمية في تعامل الأفراد مع ضغوط الحياة المختلفة، إذ يمثل القدرة على النهوض بعد الشدائد واستعادة التوازن النفسي والأدائي، ويترك أثرًا كبيرًا في الصحة النفسية عمومًا وفي التكيف الجامعي خصوصًا، فطلبة الجامعات يواجهون انتقالًا حياتيًا واسعًا يشتمل على أعباء أكاديمية وضغوط اجتماعية وتحديات استقلالية قد تهز توازنهم إن لم يمتلكوا موارد صمود كافية، ومع ذلك ما تزال معرفة مستويات الصمود لدى الطلبة الجامعيين في البيئات العربية والعوامل المرتبطة به محدودة قياسًا بأهميته، ومن هنا تنبع قيمة الدراسات الميدانية التي تقيس الصمود وتربطه بالرفاه النفسي وتقدير الذات والصحة البدنية، لتزود الجامعات بأدلة تساعدها على تصميم برامج إرشادية ووقائية رشيدة، وهو اهتمام متصاعد لدى الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الإرشاد النفسي والصحة النفسية الجامعية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم مستوى الصمود النفسي لدى طلبة الجامعات في سلطنة عمان واستكشاف علاقته بعدد من المتغيرات تشمل الرفاه النفسي وتقدير الذات والصحة البدنية، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا جمعت فيه البيانات من ستمئة وستة وسبعين طالبًا جامعيًا، وأكمل الطلبة استمارة بيانات ديموغرافية ومقياس الصمود المختصر ومؤشر الرفاه النفسي لمنظمة الصحة العالمية ومقياس روزنبرغ لتقدير الذات ومسحًا للصحة البدنية، ثم حللت العلاقات بين الصمود والمتغيرات المدروسة، واختبرت العوامل المتنبئة بالصمود الإيجابي عبر تحليل متعدد المتغيرات يضبط التداخل بين المتنبئات ويكشف إسهام كل منها المستقل
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أبلغ أقل من نصف المشاركين قليلًا عن مستويات منخفضة من الصمود النفسي، إذ بلغت نسبتهم 45.3 في المئة وعددهم ثلاثمئة وستة طلاب، بما يكشف عن حاجة ماسة لدى شريحة واسعة من الطلبة
2، كان النوم المنتظم عاملًا متنبئًا دالًا بالصمود الإيجابي في التحليل متعدد المتغيرات، بما يبرز مكانة العادات الصحية اليومية في بناء القدرة على التحمل والتكيف
3، تنبأ الضغط المدرك ومؤشر الرفاه النفسي وتقدير الذات بالصمود الإيجابي تنبؤًا دالًا، بما يؤكد الترابط الوثيق بين الصمود وموارد التقييم الذاتي الإيجابي والشعور العام بالعافية
4، ارتبط الحصول على معدل تراكمي أعلى من درجتين أيضًا بالصمود الإيجابي، بما يوحي بعلاقة تبادلية بين التكيف النفسي والأداء الأكاديمي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدل النتائج على أن الصمود مهارة ضرورية لدى طلبة الجامعات تستحق مزيدًا من الاهتمام الأكاديمي والإرشادي، وينبغي أخذ العوامل المتنبئة بالصمود الإيجابي في الحسبان عند تنفيذ برامج تعزيز الصحة النفسية في الجامعات، فبرامج تحسين عادات النوم وإدارة الضغوط وتنمية تقدير الذات ورفع الرفاه العام قد تتحول إلى مداخل عملية لرفع صمود الطلبة، كما يمكن لمراكز الإرشاد الجامعي توظيف الفرز المبكر لتحديد الطلبة منخفضي الصمود وتقديم دعم وقائي لهم قبل تحول الضغوط إلى اضطرابات، وتمنح الدراسة الباحثين في سلطنة عمان ودول الخليج والعالم العربي قاعدة بيانات محلية نادرة يمكن البناء عليها في دراسات طولية وتدخلية لاحقة تقارن بين الجامعات والثقافات وتختبر فاعلية برامج تنمية الصمود
وتكتسب هذه النتائج أهمية عملية في جامعات الخليج والعالم العربي التي تستقبل طلبة يعيش كثير منهم بعيدًا عن أسرهم للمرة الأولى ويواجهون ضغوط التكيف الثقافي والاجتماعي إلى جانب الأعباء الدراسية، فبناء الصمود يمكن أن يبدأ من مداخل بسيطة قابلة للقياس مثل تنظيم النوم وإدارة الوقت وتقوية شبكات الدعم الاجتماعي الجامعي، ويمتد إلى برامج إرشادية متخصصة تنمي تقدير الذات ومهارات مواجهة الضغوط، وتهيئ الدراسة الحالية الباحثين العرب لخطوات لاحقة تتمثل في دراسات طولية تتعقب تغير الصمود عبر سنوات الدراسة، وفي تجارب تدخلية تقيس فاعلية برامج تنمية الصمود في البيئات الجامعية العربية بمختلف تخصصاتها وأنماطها
وخلاصة القول إن مستويات الصمود المنخفضة تمس قرابة نصف طلبة الجامعات في العينة العمانية، وإن النوم المنتظم وإدارة الضغط والرفاه النفسي وتقدير الذات والتحصيل الأكاديمي الجيد عوامل متنبئة بصمود إيجابي ينبغي أن تستهدفه برامج الصحة النفسية الجامعية بوعي وتخطيط








