تمهيد
تتنافس مدن العالم اليوم على بناء علامات قوية تحمل صورتها إلى الزوار والمستثمرين والسكان معًا، إذ تتحول سمعة المدينة إلى أصل اقتصادي يؤثر في قرارات السفر والاستثمار والاستقرار، وتشكل الفعاليات الثقافية والترفيهية الكبرى منصات مكثفة لتشكيل هذه العلامة لأنها تقدم للجمهور تجربة مركزة ومباشرة مع المدينة في زمن قصير، ويُعد موسم الرياض في المملكة العربية السعودية من أبرز هذه الفعاليات حجمًا وحضورًا، غير أن المعرفة العلمية بما يبني قيمة علامة المدينة فعلًا لدى جمهور مثل هذه الفعاليات ما تزال محل نقاش، خاصة مع افتراضات شائعة حول الدور المحوري لمؤثري التواصل الاجتماعي ورضا الزوار، وهي افتراضات تحتاج إلى اختبار ميداني صارم قبل أن تبنى عليها استراتيجيات التسويق الحضري وميزانياته، كما أن تسارع استضافة المدن العربية والخليجية لفعاليات عالمية كبرى في الرياضة والثقافة والترفيه يجعل فهم آليات بناء علامة المدينة أولوية بحثية وتطبيقية تتجاوز الحالة المدروسة إلى مدن المنطقة كلها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى فحص محددات قيمة علامة المدينة في سياق موسم الرياض، مستندة إلى إطار قيمة العلامة القائم على العميل كما صاغه آكر ومكيفًا مع سياق علامات المدن، ومسترشدة بنظرية مصداقية المصدر، واختبرت الدراسة الآثار المباشرة لأربعة أبعاد هي ارتباط العلامة والوعي بها والولاء لها ورضا العملاء في قيمة علامة المدينة، إضافة إلى اختبار الدور المعدل الذي قد يؤديه مؤثرو الإنترنت في هذه العلاقات، وجمعت بيانات استبانة من تسعمئة وواحد وتسعين مشاركًا من حضور الموسم، وحُللت البيانات باستخدام نمذجة المعادلات البنائية لاختبار العلاقات بين الأبعاد والحصيلة الكلية لقيمة العلامة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، عزز الوعي بعلامة المدينة قيمتها تعزيزًا دالًا إحصائيًا، بما يؤكد أن وصول صورة المدينة إلى الجمهور وحضورها في أذهانه ركيزة أولى في بناء علامتها
2، عزز الولاء لعلامة المدينة قيمتها تعزيزًا دالًا إحصائيًا أيضًا، بما يشير إلى وزن الارتباط المتكرر والتعلق المستمر بالمدينة وفعالياتها
3، لم يظهر لارتباط العلامة ولا لرضا العملاء أثر دال في قيمة علامة المدينة ضمن النموذج المختبر رغم مكانتهما الافتراضية في أدبيات العلامات
4، لم يعدل مؤثرو الإنترنت العلاقات بين أبعاد قيمة العلامة وقيمة علامة المدينة الكلية، خلافًا لافتراضات سائدة في بحوث السياحة وبناء العلامات الرقمية
5، تشير المحصلة إلى أن قيمة علامة المدينة في الفعاليات الكبرى المكثفة من حيث التجربة والمحدودة زمنيًا يقودها التعرف والارتباط المتكرر أكثر مما تقودها الاتصالات الوسيطة عبر المؤثرين أو الرضا اللاحق للفعالية
6، توفر هذه النتائج حدودًا واضحة لفعالية التسويق عبر المؤثرين في سياق الفعاليات الكبرى، وتعيد توجيه الاهتمام البحثي نحو بناء الوعي والولاء بوصفهما الرافعتين الأساسيتين لقيمة علامة المدينة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تصقل هذه النتائج نظرية قيمة علامة المدينة بتحديدها شروطًا حدودية لفعالية المؤثرين، إذ لا تعمل أدوات التسويق بالمؤثرين بالقوة نفسها في كل السياقات وقد تتراجع فعاليتها في فعاليات غامرة التجربة يعايش فيها الجمهور المدينة مباشرة، وتقدم الدراسة إرشادات عملية لصناع السياسات ومنظمي الفعاليات الراغبين في بناء علامات مدن مستدامة تتجاوز الاستراتيجيات المتمحورة حول المؤثرين نحو استثمار أعمق في توسيع الوعي بالمدينة وتنمية ولاء جمهورها عبر تجارب متكررة عالية الجودة، وتهم هذه الرؤية الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التسويق السياحي وإدارة العلامات والوجهات، إذ تفتح أسئلة جديدة حول خصوصية بناء علامات المدن الخليجية والعربية في زمن الفعاليات الكبرى والتحولات الوطنية المتسارعة، وتختبر كذلك حدود نقل أطر العلامات التجارية التقليدية إلى سياق المدن والوجهات
وخلاصة القول إن قيمة علامة مدينة الرياض كما يعيشها جمهور موسمها تقوم أساسًا على الوعي والولاء اللذين يقودانها قيادة دالة، لا على ارتباط العلامة أو الرضا أو اتصالات المؤثرين، وإن بناء علامات مدن مستدامة في سياق الفعاليات الكبرى يستدعي استراتيجيات تركز على التعرف الواسع والتعلق المتكرر بالمدينة بما يتجاوز حملات المؤثرين قصيرة الأجل








