تمهيد
يحتل تعليم السياحة موقعًا مركزيًا في تنمية رأس المال البشري التي تستهدفها رؤية السعودية ألفين وثلاثين، إذ تعول المملكة على قطاع سياحي متنامٍ يستقبل أعدادًا متزايدة من الزوار ويوفر فرص عمل واسعة للشباب، ولا يمكن لهذا القطاع أن يستدام دون كوادر مؤهلة بمعارف ومهارات تواكب تحولاته المتسارعة، غير أن مدى مواءمة المناهج الجامعية الحالية للمتطلبات الناشئة في صناعة السياحة ما يزال غير مستكشف بما يكفي، خاصة في سياقات الاقتصادات النامية حيث تتشكل الصناعة والتعليم في آن واحد، وتصبح ألوان القصور في المناهج أكثر كلفة لأنها تنتج خريجين لا يجدون في سوق العمل ما درسوه ولا يجد أصحاب العمل في الخريجين ما يحتاجونه، ومن هنا تبرز الحاجة إلى الاستماع المنهجي لأصحاب المصلحة داخل الجامعة نفسها من طلاب وأعضاء هيئة تدريس بوصفهما الطرفين الأقرب إلى تجربة المنهج اليومية والأقدر على رصد مواطن الخلل فيها من الداخل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة النوعية إلى فحص وجهات نظر الطلاب وأعضاء هيئة التدريس حول مواءمة المناهج في قسم السياحة والآثار بجامعة حائل مع متطلبات صناعة السياحة في إطار رؤية السعودية ألفين وثلاثين، واختير عشرون مشاركًا اختيارًا قصديًا من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وأجريت معهم مقابلات معمقة، ثم حُللت البيانات المجموعة باستخدام التحليل الموضوعي لاستخراج الأنماط والتحديات المشتركة في تصورات المشاركين، وسعت الدراسة من وراء ذلك إلى بناء فهم واقعي لأوجه اختلال المواءمة وأسبابه وإلى صياغة إطار عملي يعالج هذا الاختلال معالجة مترابطة بدل الحلول الجزئية المنعزلة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت النتائج عن فجوة مستمرة بين النظرية والتطبيق في تعليم السياحة تستديمها أساليب تدريس قائمة على المحاضرات التقليدية لا تمنح الطلاب خبرة عملية كافية ببيئات العمل السياحي
2، ظهر قصور واضح في إدماج التقنيات الرقمية وتقنيات السياحة الذكية في المناهج رغم مركزية هذه التقنيات في تحول الصناعة المعاصرة
3، اتسمت الشراكات بين الصناعة والأوساط الأكاديمية بالضعف، بما يحد من فرص التدريب الميداني ومن مواكبة المناهج لتطورات سوق العمل
4، قامت عوائق هيكلية داخل المؤسسة الجامعية أمام التعاون والتكامل بين التخصصات المختلفة التي يحتاجها تعليم السياحة بطبيعته العابرة للمجالات
5، اقترحت الدراسة نموذجًا للتكامل بين التخصصات ينظم حول خمسة مجالات هي التقنية الرقمية، والاستدامة والبيئة، والأعمال وريادة الأعمال، والصناعات الثقافية والإبداعية، والعلوم الاجتماعية ومشاركة المجتمع، بوصفه إطارًا تقدميًا للتعاون بين الأقسام
6، بين التحليل نظريًا أن اختلال مواءمة المناهج يعمل عبر قيود مؤسسية يعزز بعضها بعضًا، لا عبر أوجه قصور منفصلة قابلة للتصحيح كل منها بمعزل عن غيرها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توجه توصيات الدراسة جهات التطوير الأكاديمي نحو إصلاح المناهج إصلاحًا مترابطًا يشمل الاستثمار في التقنية التعليمية وتطوير شراكات منظمة ودائمة مع منشآت الصناعة وتهيئة الشروط الإدارية التي تمكن من تنفيذ التكامل بين التخصصات، ويمثل نموذج المجالات الخمسة الإسهام العملي الرئيس للدراسة إذ يمكن لجامعات أخرى أن تستأنس به في إعادة هيكلة برامجها السياحية والضيافية، وتتحدث هذه النتائج إلى صانعي السياسات التعليمية في المملكة والباحثين العرب في تطوير المناهج وإدارة التعليم السياحي وطلاب الدراسات العليا المهتمين باقتصاد المعرفة ورأس المال البشري، إذ تؤكد أن مواءمة المنهج مع رؤية وطنية طموحة مهمة مؤسسية شاملة تتطلب تغييرًا متزامنًا في طرائق التدريس والتقنية والشراكات والحوكمة لا تعديلات سطحية في المقررات، وتزداد أهمية هذه القضية مع توسع الاستثمارات الوطنية في الوجهات السياحية الجديدة والمشاريع العملاقة التي ستستقبل ملايين الزوار وتحتاج آلاف الكفاءات المؤهلة في الإرشاد والضيافة وإدارة الوجهات والفعاليات
وخلاصة القول إن مناهج تعليم السياحة في السياق المدروس ما تزال دون مستوى الطموح الذي تفرضه رؤية السعودية ألفين وثلاثين بسبب فجوات مترابطة في التطبيق العملي والتقنية والشراكات والتكامل التخصصي، وإن نموذج التكامل المقترح يرسم مسارًا عمليًا لإصلاح شامل يبني كوادر سياحية قادرة على قيادة القطاع نحو مستهدفاته الوطنية








