تمهيد
على الرغم من انتشار الاهتمام بتقليل الممارسات غير الآمنة في الرعاية الصحية، فإن التهديدات المحدقة بسلامة المرضى ما تزال مرتفعة، وتظل الخسائر البشرية والمادية الناجمة عن الأخطاء الطبية تحديًا عالميًا قائمًا، وفي المقابل لم يحظ دور التعليم بين المهن إلا باهتمام محدود في تعزيز سلامة المرضى، رغم أن كثيرًا من الحوادث الضارة يرتبط بضعف التواصل والتنسيق بين أعضاء الفريق الصحي من تخصصات مختلفة، وينبع التعليم بين المهن من تعلم طلبة المهن الصحية معًا ومن بعضهم بعضًا بما يبني كفاءة تعاونية تنعكس على جودة الرعاية وسلامتها، وهو توجه تتنامى الدعوات إلى ترسيخه في المناهج الصحية منذ المراحل الجامعية الأولى بدل الاكتفاء بتدريب كل تخصص في عزلة عن سواه، ويظل العامل البشري والتنظيمي في صميم معادلة السلامة مهما تقدمت التقنيات والأدوات الداعمة لقرارات الفريق الصحي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أُجريت هذه الدراسة النوعية للكشف عن رؤى طلبة السنوات الأخيرة في كليات الطب وطب الأسنان والعلوم الصحية والصيدلة بجامعة الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة حول سلامة المرضى، وذلك ضمن ورشة عمل عبر الإنترنت قائمة على التعليم بين المهن، ناقش الطلاب خلالها في غرف فرعية حلولًا ممكنة لأربعة سيناريوهات سريرية واقعية مستمدة من الممارسة وتتضمن عناصر من الرعاية الصحية غير الآمنة، وأظهر الطلاب أثناء النقاشات مستوى عاليًا من التعبير والمشاركة الاستباقية، ثم فُرغت بيانات الورشة ونُفذ عليها الترميز والتصنيف واستخراج الموضوعات المتكررة عبر مداولات فردية متعددة ودمج وإعادة تنظيم للموضوعات الفرعية حتى استقر إطار موضوعي نهائي، وشارك في الورشة 248 طالبًا وأسفر التحليل التمهيدي عن 32 رمزًا
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أسفر التحليل الموضوعي الاستقرائي عن خمسة موضوعات رئيسة ذات موضوعات فرعية متميزة ومترابطة في سياق سلامة المرضى ضمن بيئات التعليم بين المهن، وتمثل أولها في مشاركة المعلومات والتأسيس المشترك بما يشمل حل المشكلات والمهارات الاجتماعية
2، تمثل الموضوع الثاني في الحفاظ على التواصل، بما يتصل بالاستدلال السريري وبناء نموذج ذهني مشترك بين أعضاء الفريق حول حالة المريض وخطة علاجه
3، تمثل الموضوع الثالث في تنفيذ الأنشطة بين المهن، بما يشمل الممارسة التعاونية ونصوص التعاون التي تنظم عمل الفريق متعدد التخصصات
4، تمثل الموضوع الرابع في القدرات المعرفية المهنية، بما يشمل النضج المعرفي وما وراء المعرفة وقدرة الممارس على مراقبة تفكيره السريري وتصحيحه
5، تمثل الموضوع الخامس في التفاوض على الهويات المهنية، بما يشمل التغيير المنهجي والسقالات الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط بعمل الفرق الصحية وتؤثر في أدوار أعضائها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
أظهرت الدراسة مخرجات ورشة مبتكرة قائمة على الفريق ضمنت سلامة المرضى داخل سقالة بيئة تعليم بين المهن، وتدعو نتائجها إلى دمج مجالات ناشئة كالاستدلال السريري وحل المشكلات والممارسة التعاونية والنموذج الذهني المشترك في المناهج الطبية من أجل تعليم بين مهني منظم يحسن مجالات سلامة المرضى في التعليم الطبي، وتؤكد النتائج الحاجة إلى أبعاد متعددة الأوجه لمتطلبات التعليم بين المهن في تنمية الكفاءة التعاونية لدى طلبة المهن الصحية، وهي دلالات تهم كليات الطب والعلوم الصحية في الجامعات العربية والإماراتية على وجه الخصوص، إذ يمكن البناء عليها لتصميم أنشطة مشتركة مبكرة بين التخصصات وتضمين سيناريوهات السلامة الواقعية في التدريب، كما تفتح أمام الباحثين وطلاب الدراسات العليا مجالات لقياس انتقال هذه الكفاءات إلى بيئات الرعاية الفعلية وأثرها في مؤشرات سلامة المرضى الموضوعية، ويعين هذا الإطار الخماسي لجان المناهج حين تراجع مقررات السلامة والجودة في برامجها، إذ يوفر لغة مشتركة لوصف نواتج التعلم المستهدفة وأساليب تقويمها عبر التخصصات الصحية المختلفة
وخلاصة القول إن سلامة المرضى ثقافة جماعية تُبنى بالتعليم المشترك بين المهن لا بالتدريب المنعزل لكل تخصص، وتقدم هذه الدراسة إطارًا موضوعيًا خماسي الأبعاد يمكن أن تستهدي به المؤسسات الصحية التعليمية العربية في ترسيخ هذه الثقافة لدى أجيال الممارسين الصحيين المقبلة








