تمهيد
غزت التقنيات الرقمية فصول الرياضيات في المدارس المتوسطة والثانوية بوتيرة متسارعة، من المنصات التفاعلية إلى تطبيقات الواقع المعزز، وتراكمت حولها دراسات تجريبية كثيرة تتفاوت في سياقاتها وأدواتها ونتائجها، حتى بات من الصعب على المعلم والباحث وصانع القرار تكوين صورة شاملة عما يعرفه الحقل فعلا وما يجهله، ومن هنا تنبع أهمية المراجعات المنهجية التي تجمع هذا الشتات البحثي وتحلله بمعايير صارمة، وتأتي هذه الدراسة مراجعة منهجية للأدبيات التجريبية حول استخدام التقنية في تعليم الرياضيات بالمرحلتين المتوسطة والثانوية خلال سنوات حديثة، لتقدم للباحثين العرب في المناهج وتقنيات التعليم خريطة محدثة لخصائص هذا المجال ومنهجياته وأدوات تقويمه، وللفجوات التي ما تزال تنتظر جهودهم البحثية في البيئات المدرسية العربية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل الدراسات التجريبية المتعلقة باستخدام التقنية في تعليم الرياضيات في المرحلتين المتوسطة والثانوية خلال الفترة من عام 2019 إلى عام 2024، واتبعت خطوات مخطط بريزما للمراجعات المنهجية، فحددت ثلاثمئة دراسة من ثلاث قواعد أكاديمية كبرى هي ويب أوف ساينس وسكوبس وغوغل سكولار، ثم طبقت معايير التضمين والاستبعاد لتنتقي في النهاية خمسا وعشرين دراسة تجريبية ذات صلة، وتنقسم المراجعة إلى جزأين، يعنى أولهما بالخصائص الببليومترية والسياقية للدراسات المختارة، ويعنى ثانيهما بالمناهج وأساليب التقويم التي استخدمها الباحثون في قياس أثر التقنية في اتجاهات الطلاب ومعتقداتهم وأدائهم الأكاديمي في الرياضيات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج أن جزءا كبيرا من الجهود البحثية في هذا المجال يدور حول استخدام المنصات التفاعلية مثل جيوجيبرا وكاهوت، بما يعكس هيمنة الأدوات الجاهزة سهلة التوظيف على ممارسات دمج التقنية في تعليم الرياضيات
2، تبين أن دور الواقع المعزز في تعليم الرياضيات قد بحث بدرجة معتبرة، في إشارة إلى تنامي الاهتمام بالتقنيات الغامرة وقدرتها على تجسيد المفاهيم الرياضية المجردة أمام الطلاب
3، كشفت المراجعة أن محتوى المرحلة الثانوية يدرس بتكرار أكبر من محتوى المرحلة المتوسطة، فتتركز الأدلة التجريبية المتاحة في المرحلة الأعلى وتبقى المرحلة المتوسطة أقل تمثيلا نسبيا
4، لوحظ نقص ملحوظ في الدراسات النوعية والطولية، وحاجة واضحة إلى تطوير أدوات قياس والتحقق من صدقها عبر بيئات تعليمية متنوعة لضمان المقارنة والدقة، كما تبين أن نواتج تعلم مثل الاحتفاظ بالمعرفة والاتجاهات والعمل الجماعي نادرا ما تقيم في هذه الدراسات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
ترسم هذه المراجعة أجندة بحثية واضحة للمهتمين بتقنيات تعليم الرياضيات، إذ تدعو إلى تنويع المناهج نحو الدراسات النوعية التي تفهم خبرة الطلاب والمعلمين بعمق، والدراسات الطولية التي تتبع الأثر عبر الزمن، وإلى الاستثمار في بناء أدوات قياس محكمة للاتجاهات والاحتفاظ بالتعلم والمهارات التعاونية، وتفيد نتائجها معلمي الرياضيات في اختيار المنصات التفاعلية وتقنيات الواقع المعزز بوعي مستند إلى الأدلة، كما تفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في المناهج وطرق تدريس الرياضيات بوصفها مرشدا لاختيار موضوعات لم تشبع بحثا عالميا، ولإجراء مراجعات ودراسات تجريبية في المدارس العربية تسد فجوة التمثيل الجغرافي في هذا الحقل، وتقارن أثر التقنيات ذاتها في سياقات صفية مختلفة
وتنسجم هذه الخلاصات مع حاجة ملحة في الميدان التربوي العربي إلى بناء قاعدة أدلة محلية حول توظيف التقنية في تعليم الرياضيات، فمعظم الأدلة المتاحة مستمدة من سياقات غربية تختلف في بنيتها الصفية ومواردها وثقافتها التعليمية، ومن ثم فإن نقل نتائجها إلى الفصول العربية يحتاج إلى تحقق ميداني محلي يراعي خصائص المعلم والطالب والمنهاج، وتقدم هذه المراجعة للباحث العربي نقطة انطلاق منهجية متينة من حيث قواعد البيانات المناسبة ومعايير الانتقاء وأدوات التحليل والمقارنة، بما يختصر عليه الطريق ويرفع جودة إنتاجه البحثي
وخلاصة القول إن هذه المراجعة المنهجية تظهر حقلا بحثيا نشطا لكنه غير متوازن، تغلب عليه المنصات التفاعلية الشهيرة والدراسات الكمية القصيرة، وتندر فيه الأصوات النوعية والمتابعات الطولية وأدوات القياس الرصينة، وبذلك تقدم للباحثين والمعلمين، ومنهم الباحثون العرب، خريطة أمينة لما تحقق في توظيف التقنية لتعليم الرياضيات ولما ينتظر أن يبنى عليه في الجولة البحثية المقبلة








