تمهيد
يحمل معلمو التمريض في البيئات الإكلينيكية مسؤولية مزدوجة، فهم ينقلون المعرفة والمهارة العملية إلى طلابهم داخل المستشفيات والمرافق الصحية، ويشكلون في الوقت ذاته قدوة مهنية تؤثر في اتجاهات الأجيال الجديدة من الممرضين نحو مهنتهم، وتعد كفايات التدريس الإكلينيكي ركيزة أساسية في أداء هذا الدور، كما ترتبط ارتباطا وثيقا بتقدير المعلم لذاته وثقته المهنية داخل بيئة العمل السريري، ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة المصرية التي صممت برنامجا تدريبيا لرفع كفايات التدريس الإكلينيكي لدى معلمات التمريض وقاست أثره في تقديرهن لذواتهن قبل التدريب وبعده وفي مرحلة المتابعة، لتقدم لكليات التمريض والمعاهد الصحية العربية مادة تجريبية موثقة حول جدوى التطوير المهني الموجه وعلاقته بالثقة المهنية للمعلمين الصحيين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم برنامج تدريبي يستهدف تحسين كفايات التدريس الإكلينيكي لدى معلمات التمريض وقياس أثره في تقديرهن لذواتهن، واعتمدت تصميما شبه تجريبي طبق على جميع معلمات التمريض المتاحات وعددهن خمسون معلمة في المعهد الفني للتمريض بكلية التمريض في جامعة عين شمس بالقاهرة، واستخدمت ثلاث أدوات للقياس هي استبانة معرفية حول كفايات التدريس الإكلينيكي، وقائمة ملاحظة لأداء هذه الكفايات، ومقياس روزنبرغ لتقدير الذات، وطبقت القياسات قبليا وبعديا مباشرة بعد البرنامج وفي مرحلة متابعة لاحقة، بما أتاح رصد التغير ومقدار استمراره عبر الزمن
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج تحسنا بالغ الدلالة في معرفة معلمات التمريض وأدائهن المرتبط بكفايات التدريس الإكلينيكي، إذ ارتفعت درجات المعرفة إلى 100 بالمئة في مرحلتي ما بعد التدريب مباشرة والمتابعة على السواء
2، تحسنت درجات الأداء العملي لتحقق 96.0 بالمئة في مرحلة ما بعد التدريب مباشرة و60.0 بالمئة في مرحلة المتابعة، بما يشير إلى أثر قوي للبرنامج مع تراجع جزئي في الأداء الملاحظ عبر الزمن يستدعي دعما مستمرا
3، أبدت أغلبية المعلمات مستوى مرتفعا من تقدير الذات بنسبة 64 بالمئة مباشرة بعد البرنامج التدريبي، وحافظت نسبة 62.0 بالمئة على هذا المستوى المرتفع في مرحلة المتابعة، مقابل 4.0 بالمئة فقط قبل التدريب
4، وجد ارتباط إيجابي بالغ الدلالة إحصائيا بين المعرفة الكلية والأداء المرتبط بكفايات التدريس الإكلينيكي وتقدير الذات لدى المعلمات في مرحلة ما بعد التدريب مباشرة، واستمر ارتباط إيجابي دال إحصائيا بين هذه المتغيرات في مرحلة المتابعة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج أن الاستثمار في تدريب معلمي التمريض على كفايات التدريس الإكلينيكي لا يرفع معارفهم وأداءهم فحسب، بل يمتد أثره إلى بنائهم النفسي المهني ممثلا في تقدير الذات، وهو ما ينعكس بدوره على جودة تعليم الطلاب وجودة الرعاية الصحية مستقبلا، كما ينبه تراجع الأداء النسبي في المتابعة إدارات كليات التمريض إلى ضرورة تحويل التدريب من فعاليات متقطعة إلى منظومة تطوير مهني مستمر تشمل التغذية الراجعة والملاحظة الصفية الإكلينيكية الدورية، وتفيد الدراسة الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التمريض والتعليم الصحي بوصفها نموذجا تطبيقيا لتصميم برامج تدريبية قابلة للقياس والتكرار، وتدعوهم إلى دراسات مقارنة بين مؤسسات صحية عربية مختلفة وإلى فحص أثر هذه الكفايات في مخرجات تعلم الطلاب أنفسهم
وتتسق هذه النتائج مع توجه متصاعد في أدبيات التعليم الصحي يؤكد أن جودة الرعاية السريرية تبدأ من جودة إعداد من يعلمون ممارسيها، فمعلمة التمريض الواثقة المتمكنة من كفاياتها التعليمية تنقل إلى طالباتها معايير مهنية أعلى وتغرس فيهن اتجاهات إيجابية نحو التعلم السريري والعمل الجماعي، كما تصلح الدراسة أساسا لبناء حقائب تدريبية عربية موحدة في التدريس الإكلينيكي يمكن اعتمادها ضمن برامج الاعتماد الأكاديمي وضمان الجودة بكليات التمريض ومعاهدها، مع تحديث محتواها دوريا وفق المستجدات العلمية ونتائج قياس الأثر المتعاقبة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم دليلا تجريبيا من بيئة مصرية على أن المعلم الصحي حين يمتلك كفايات تدريسه الإكلينيكي يمتلك معها ثقة أرسخ بنفسه وتقديرا أعلى لذاته، وبذلك يصبح التطوير المهني لمعلمي التمريض استثمارا مزدوج العائد، يجود التعليم الإكلينيكي ويرفع الروح المهنية لحملة رسالته في آن واحد








