تمهيد
تؤثر العوامل الثقافية والدينية بعمق في الاتجاهات نحو الموت والفقد والحزن، وتبدو الفروق بين الجنسين واضحة في هذه الاتجاهات، غير أن الأدبيات السابقة تشير إلى أن طلاب الطب يمتلكون معرفة محدودة بالموت ويشعرون بعدم الارتياح في مواجهته رغم أن التعامل مع المرضى المحتضرين وذويهم جزء أصيل من الممارسة الطبية المستقبلية، ويظل البحث في العوامل المؤثرة في معارف طلاب الطب واتجاهاتهم نحو الموت محدودًا، ولا سيما الدراسات المقارنة عبر الثقافات التي تضع عينة عربية إلى جانب عينة غربية في إطار واحد، فالموت في الثقافة العربية الإسلامية محاط بتصورات دينية واجتماعية مميزة تنظم طقوس الفقد والحزن والعلاقة بالمتوفى، بينما تعالجه الثقافات الغربية المعاصرة في كثير من الأحيان ضمن أطر أكثر فردية وطبية، ويفتح هذا التباين نافذة بحثية خصبة لفهم كيف تتشكل مواقف الأطباء الشباب من أحد أكثر موضوعات مهنتهم حساسية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مقارنة الفروق الثقافية والفروق بين الجنسين في المعارف والاتجاهات نحو الخسارة والحزن، والكشف عن الحزن المعقد لدى طلاب الطب في جامعة الخليج العربي وجامعة تورونتو، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا وزع عبره استبيان على طلاب الطب في الجامعتين عام 2022، وتضمن الاستبيان أربعة أجزاء شملت الخصائص الديموغرافية للمشاركين ودرجة الالتزام الديني وتاريخ مواجهة فقد عزيز والحزن اللاحق للفقد والاتجاه نحو الموت وما تلقاه الطالب في كلية الطب حول التعامل مع الحزن والموت، واستخدمت الدراسة استبيان الحزن الموجز ومقياس ملف الاتجاه نحو الموت بصورته المنقحة، وتكونت العينة من 168 طالب طب شكلت الإناث 74.1 بالمئة من أفرادها، ويقدم هذا التصميم المقارن مادة تعليمية مفيدة لطلاب كليات الطب والباحثين في التعليم الطبي حول أثر السياق الثقافي في الكفايات الوجدانية للطبيب
ثانيًا: أبرز النتائج
1، جاءت درجات الحزن المعقد لدى طلاب جامعة الخليج العربي أعلى بمتوسط مقداره 3.87 مقابل 2.00 لدى طلاب جامعة تورونتو، وهو فرق يعكس على الأرجح عوامل ثقافية ودينية تميز تجربة الفقد والحزن في السياق العربي
2، ارتبطت درجات الحزن المعقد الأعلى بدرجة الالتزام الديني الأعلى في كلتا الجامعتين بدلالة إحصائية، كما جاءت أعلى لدى الإناث في المؤسستين، بما يبرز تقاطع التدين والجنس في تشكيل شدة تجربة الحزن لدى الطلاب
3، تفوق طلاب جامعة الخليج العربي على نظرائهم في تورونتو في ثلاثة أبعاد من الاتجاه نحو الموت بدلالات إحصائية واضحة، وهي تجنب الموت وقبول الموت بوصفه مقتربًا من حياة أخرى وقبوله بوصفه مهربًا من المعاناة
4، أفاد ما يقارب ثلاثة أرباع طلاب جامعة تورونتو بأنهم لم يتلقوا تعليمًا حول الحزن في كلياتهم، مقابل 54 بالمئة من طلاب جامعة الخليج العربي، بما يكشف فجوة تعليمية مشتركة وإن بتفاوت بين المؤسستين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسلط الدراسة الضوء على كيفية تشكيل المعتقدات الثقافية والدينية لاتجاهات طلاب الطب نحو الموت والفقد، وتقدم رؤية قيمة حول معارفهم ومواقفهم من الخسارة، وتحمل نتائجها تطبيقات مباشرة لمناهج التعليم الطبي، إذ تدعو إلى إدماج مقررات وخبرات منظمة حول الرعاية التلطيفية وإبلاغ الأخبار السيئة ودعم ذوي المتوفين واحتياجات الطبيب النفسية ذاته، على أن تراعي هذه المناهج الخصوصية الثقافية والدينية لبيئة كل كلية، وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في كليات الطب العربية التي تعمل في مجتمعات يشكل فيها البعد الديني والأسري عنصرًا مركزيًا في تجربة المرض والوفاة، إذ يحتاج الطبيب الشاب إلى كفاية مزدوجة تجمع بين الاحتراف الطبي والحساسية الثقافية في مواقف نهاية الحياة، ويمكن للباحثين العرب البناء على هذه الدراسة بفحص أثر برامج تعليمية مصممة لتحسين اتجاهات الطلاب نحو الموت، وبدراسة ممارسات الأطباء المقيمين والممارسين وامتداد هذه الاتجاهات إلى جودة تواصلهم مع المرضى وذويهم
وخلاصة القول إن مواقف أطباء المستقبل من الموت والحزن ليست معارف طبية محايدة بل هي مشكلة ثقافيًا ودينيًا ووجدانيًا، وإن الاعتراف بهذا التشكل وتصميم تعليم طبي يستثمره بدل تجاهله خطوة ضرورية لإعداد أطباء قادرين على مرافقة مرضاهم وذويهم في أصعب لحظات الحياة الإنسانية بمهنية ورحمة معًا، وهو درس تؤكده هذه المقارنة العربية الغربية الفريدة








