تمهيد
يمثل داء السكري والسمنة معًا تحديين متلازمين من أكبر تحديات الصحة العامة في العالم وفي المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، إذ تنتشر زيادة الوزن بين مرضى السكري انتشارًا واسعًا وتتضاعف معها المضاعفات والأعباء العلاجية، ومن المعلوم أن السمنة ترفع خطر الإصابة بالسكري وما يرافقه من أمراض مصاحبة كأمراض القلب والكلى والعيون، غير أن أثر فئات الوزن المختلفة في أنماط استخدام خدمات الرعاية الصحية بين مرضى السكري في السياق السعودي ما يزال قليل الاستكشاف في الأدبيات، رغم ما لهذا الأثر من انعكاسات مباشرة على تخطيط الخدمات الصحية وتوزيع الموارد وإدارة القدرات الاستيعابية للمستشفيات ومراكز الرعاية، وتأتي هذه الدراسة الواسعة المنفذة في مدينة جدة لتسد هذه الفجوة بسجلات طبية ضخمة الحجم تتيح ربط مؤشر كتلة الجسم بالاستخدام الفعلي للخدمات الخارجية والداخلية والطارئة، وهي مادة تهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الصحة العامة والوبائيات والإدارة الصحية وصانعي السياسات الصحية في المملكة والمنطقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الارتباطات بين فئات مؤشر كتلة الجسم وأنماط استخدام الرعاية الصحية لدى المصابين بالسكري، واعتمدت تحليلًا مقطعيًا أُجري خلال عام 2024 باستخدام السجلات الطبية لإحدى المنشآت الصحية في مدينة جدة وشمل ما يزيد على مئة وخمسة وعشرين ألف مصاب بالسكري، ولخصت الإحصاءات الوصفية الخصائص الديموغرافية والقياسات الأنثروبومترية وخصائص الاستخدام في العينة، وقُيّمت الارتباطات بين فئات مؤشر كتلة الجسم والمتغيرات الديموغرافية ومتغيرات الاستخدام باختبارات مربع كاي، بينما قدّرت نماذج الانحدار اللوجستي متعددة المتغيرات نسب الأرجحية وفواصل الثقة عند مستوى 95 بالمئة لاستخدام الرعاية الصحية عبر فئات مؤشر كتلة الجسم المختلفة من نقص الوزن إلى زيادته إلى السمنة، بما يتيح فصل أثر الوزن ذاته عن أثر العوامل الديموغرافية وعوامل التغطية التأمينية المصاحبة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ متوسط عمر المرضى 58.7 عامًا بانحراف معياري مقداره 14.7 ومتوسط مؤشر كتلة الجسم 31.5 بانحراف معياري مقداره 5.9، وسجلت الدراسة انتشارًا مرتفعًا لزيادة الوزن والسمنة بين المرضى بنسبتين بلغتا 58.8 و30.0 بالمئة وفق فئتيهما الواردتين في الدراسة
2، أظهرت اختبارات الارتباط علاقات ذات دلالة إحصائية عند مستوى أقل من 0.001 بين فئات مؤشر كتلة الجسم وكل من المتغيرات الديموغرافية ومتغيرات استخدام الخدمات الصحية
3، كشفت نماذج الانحدار أن مرضى زيادة الوزن بنسبة أرجحية 1.43 وفاصل ثقة بين 1.37 و1.50 ومرضى السمنة بنسبة أرجحية 1.83 وفاصل ثقة بين 1.75 و1.91 استخدموا الخدمات الخارجية بدرجة أكبر من غيرهم
4، في المقابل سجل مرضى نقص الوزن أرجحية أعلى بكثير للتنويم في الأقسام الداخلية بنسبة أرجحية 2.14 وفاصل ثقة بين 1.84 و2.48، وارتبط وجود التغطية التأمينية بزيادة استخدام الخدمات الخارجية وخدمات الطوارئ معًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن مؤشر كتلة الجسم والعوامل الديموغرافية متنبئات دالة لاستخدام الرعاية الصحية لدى مرضى السكري، وهي نتيجة ذات دلالات عملية مباشرة لإدارة المنظومة الصحية السعودية، إذ تساعد القائمين على التخطيط في تقدير الطلب المتوقع على العيادات الخارجية بحسب تركيبة الوزن لدى مرضى السكري وتصميم برامج إدارة وزن وقائية تخفف العبء المستقبلي، كما تنبه إلى أن مرضى نقص الوزن رغم قلة عددهم يحملون خطر تنويم مرتفعًا يستدعي متابعة سريرية خاصة لأن نقص الوزن لدى السكريين قد يعكس هشاشة صحية أو مضاعفات متقدمة، ويفيد الباحثين أيضًا ما تظهره النتائج من دور التغطية التأمينية في تشكيل سلوك طلب الخدمة، وهو متغير ينبغي ضبطه في أي نمذجة مستقبلية لاستخدام الرعاية، ويمثل حجم العينة الضخم والاعتماد على سجلات واقعية نقطة قوة تمنح النتائج وزنًا تطبيقيًا في سياق التحول الصحي الذي تشهده المملكة
وخلاصة القول إن فئات مؤشر كتلة الجسم ترسم خرائط مختلفة لاستخدام الرعاية الصحية بين مرضى السكري في جدة، فزيادة الوزن والسمنة تدفعان نحو مزيد من زيارات العيادات الخارجية بينما يرتبط نقص الوزن بأرجحية تنويم أعلى، وبذلك تقدم الدراسة قاعدة أدلة محلية رصينة لتخطيط خدمات السكري وتوزيع مواردها بعدالة وكفاءة أعلى








