تمهيد
توثق الأدبيات العلمية توثيقًا واسعًا الآثار الإيجابية للأنشطة الموسيقية النشطة والسلبية في كبار السن المصابين بالخرف، إذ تسهم الموسيقى في تحسين مزاجهم وتواصلهم وجودة حياتهم، ومع ذلك لا يزال استخدام الموسيقى تدخلًا غير دوائي غير شائع في مرافق رعاية كبار السن الخاصة والعامة، لأن العاملين في هذه المرافق لا يمتلكون الكفايات اللازمة لتقديم مثل هذه الأنشطة، ومن هنا تنبع الحاجة إلى منهج تدريبي مصمم تشاركيًا يؤهل مهنيي رعاية الخرف لتوظيف الموسيقى في عملهم اليومي
وتفيد هذه التجربة الدولية الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في مجالات التمريض وطب الشيخوخة والخدمة الاجتماعية والعلاج بالموسيقى، إذ تتزايد أعداد كبار السن في المجتمعات العربية وتتنامى الحاجة إلى تدخلات غير دوائية إنسانية منخفضة التكلفة تحسن رعاية المصابين بالخرف وتخفف أعباء أسرهم ومقدمي الرعاية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم نتائج تعلم تدريب ساوند القائم على منهج أصيل مصمم تشاركيًا حول الموسيقى لمهنيي رعاية الخرف والمنفذ في إيطاليا والبرتغال ورومانيا، وتطورت دراسة التدريب عبر ثلاث مراحل، بدأت بالتصميم التشاركي للمنهج القائم على الموسيقى بمشاركة 55 شخصًا في الدول الثلاث المشاركة، ثم تدريس المنهج التدريبي إلى 63 مهنيًا في رعاية الخرف بواقع 29 مهنيًا في إيطاليا و17 في البرتغال و17 في رومانيا وقُدم حضوريًا وعبر منصة مودل سميت الدائرة الموسيقية الافتراضية، ثم تقييم نتائج التعلم بواسطة 13 اختبار تقييم ذاتي واختبار عملي واستبيان لتقييم المتدربين للدورة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، حقق معظم المتدربين أعلى الدرجات في تقييم الكفايات النظرية في الدول الثلاث المدروسة، بما يدل على استيعابهم القوي للمعارف العصبية المعرفية وتقنيات الموسيقى المقدمة إليهم
2، احتاجت بعض الكفايات العملية في تيسير الأنشطة الموسيقية إلى مزيد من الصقل والضبط الدقيق، بما يشير إلى أن المهارة التطبيقية تتطلب تدريبًا ميدانيًا أطول وممارسة موجهة
3، قُيّمت دورة ساوند التدريبية تقييمًا إيجابيًا جدًا من المتدربين في هيكلها العام ومحتوياتها النظرية وورشها العملية على حد سواء
4، فضّل المتدربون في الدول الثلاث منهجية التعليم الحضوري على منهجية التعلم عن بعد، رغم إتاحة المحتوى التدريبي عبر المنصة الإلكترونية وما توفره من مرونة في الوصول
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
كان منهج ساوند التدريبي فعالًا في تعليم تقنيات الموسيقى والمعرفة العصبية المعرفية لمهنيي رعاية الخرف، وينبغي أن تفرّق الدورات المستقبلية بين المهنيين ذوي المعرفة والكفايات الموسيقية السابقة ومن يفتقرون إليها بحيث يُراعى التدرج في المحتوى وسرعة التقدم، كما أن الدورة مستدامة بالكامل لأنها لا تتطلب تكاليف إضافية باعتبار المنهج متاحًا بالكامل عبر الإنترنت، وهي قابلة للتكرار لأنها تدرب مهنيين يستطيعون مواصلة تطبيق الأسلوب في روتين عملهم، ويمكن لمرافق رعاية كبار السن في العالم العربي تبني مناهج مشابهة لبناء كفايات فرقها في التدخلات الموسيقية
وتحمل هذه التجربة دلالات عملية لمرافق رعاية المسنين ودور الرعاية في العالم العربي، إذ يمكن بناء برامج تدريبية مماثلة منخفضة التكلفة تؤهل الممرضين واختصاصيي الرعاية لتوظيف الأنشطة الموسيقية الجماعية والفردية في خطط رعاية المصابين بالخرف اليومية، ولا سيما أن الموسيقى ترتبط في الذاكرة الثقافية العربية بتراث غنائي عريق قد يستثير ذكريات إيجابية لدى كبار السن ويسهل تواصلهم مع أسرهم ومقدمي الرعاية لهم، كما أن طبيعة المنهج المفتوح عبر الإنترنت تجعل تكييفه عربيًا ممكنًا دون أعباء مالية كبيرة، شريطة مراعاة الخصوصية الثقافية في اختيار المحتوى الموسيقي وأنماط التفاعل الاجتماعي المصاحبة، وهو ما يفتح مجالًا بحثيًا واعدًا أمام طلاب الدراسات العليا في التمريض والخدمة الاجتماعية وعلم نفس الشيخوخة لدراسة أثر مثل هذه البرامج في السياقات العربية
وخلاصة القول إن الموسيقى ليست ترفًا في رعاية الخرف بل أداة إنسانية وعلاجية تستحق أن تكون جزءًا من كفايات كل مهني يعمل مع كبار السن، وتمثل تجربة ساوند نموذجًا عمليًا قابلًا للنقل إلى بيئات ثقافية مختلفة متى صُمم التدريب تشاركيًا ونُفذ بمرونة








