تمهيد
يواجه طلاب التمريض ضغوطًا تعليمية وتدريبية مكثفة تجمع بين متطلبات الدراسة النظرية وأعباء التدريب السريري والاحتكاك المباشر بمعاناة المرضى، وقد اقترح الباحثون أن هذه المتطلبات تعرضهم لمشكلات انفعالية ونفسية تؤثر في نجاحهم الأكاديمي وفي جودة أدائهم المستقبلي، ورغم توافر خدمات الإرشاد النفسي في كثير من الجامعات يبقى إقبال الطلاب عليها رهنًا باتجاهاتهم نحو طلب المساعدة وبنواياهم الفعلية وبمواردهم النفسية وفي مقدمتها الذكاء العاطفي بوصفه قدرة على إدراك الانفعالات وفهمها وإدارتها، وهو ما تناولته هذه الدراسة لدى طلاب التمريض الجامعيين في المنطقة الوسطى بالمملكة العربية السعودية، وتتعاظم أهمية هذه القضية في ظل توسع برامج التمريض واستقطابها أعدادًا متزايدة من الطلاب الذين سيحملون لاحقًا مسؤولية الرعاية النفسية والجسدية للمرضى وهم أنفسهم في حاجة إلى من يرعى صحتهم النفسية أثناء سنوات الإعداد المهني
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين اتجاهات الطلاب ونواياهم نحو طلب المساعدة النفسية المهنية مع التركيز على الدور الوسيط المحتمل للذكاء العاطفي في هذه العلاقة، واعتمدت تصميمًا وصفيًا ارتباطيًا واستخدمت عينة متاحة ضمت 514 طالبًا جامعيًا في التمريض بالمنطقة الوسطى في المملكة العربية السعودية، وجُمعت البيانات بأدوات ذاتية التطبيق من ثلاث كليات تمريض، وحُللت باستخدام الإحصاء الوصفي والاستدلالي ونمذجة المعادلات البنائية بما يسمح باختبار العلاقات المباشرة وأثر الوساطة في نموذج بنائي متكامل
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر طلاب الجامعة اتجاهات إيجابية بدرجة متوسطة ونوايا إيجابية بدرجة متوسطة نحو طلب المساعدة في قضايا الصحة النفسية، كما أظهروا مستوى إيجابيًا من الذكاء العاطفي، بما يشير إلى قابلية طيبة للاستفادة من الخدمات النفسية الجامعية يقابلها مجال واسع للتحسين في الاتجاهات والنوايا معًا، وتعكس هذه المستويات المتوسطة واقعًا مزدوجًا يجمع بين قبول مبدئي لفكرة المساعدة النفسية المهنية وبين بقايا تردد ووصمة اجتماعية ما تزال تحيط بطلبها في البيئات الجامعية وتنعكس في تحفظ بعض الطلاب عن الإفصاح عن معاناتهم
2، ارتبطت الاتجاهات نحو طلب المساعدة والذكاء العاطفي كلاهما ارتباطًا إيجابيًا دالًا بنوايا طلب المساعدة النفسية المهنية، فالطلاب الأكثر إيجابية في اتجاهاتهم والأعلى في ذكائهم العاطفي كانوا أكثر استعدادًا معلنًا للجوء إلى المساعدة المهنية عند الحاجة إليها
3، شملت العوامل المنبئة الأخرى بنوايا الطلاب لطلب المساعدة وجود سابقة استشارة لدى مختص في الصحة النفسية وكون الطالب غير متأكد من توافر مركز الإرشاد داخل الحرم الجامعي، وجاءت هذه العلاقات دالة إحصائيًا عند مستوى يقل عن 0.001، بما يسلط الضوء على أثر الخبرة السابقة وعلى أثر وضوح المعلومات عن الخدمات المتاحة للطلاب
4، مارس الذكاء العاطفي أثر وساطة دالًا في العلاقة بين اتجاهات طلب المساعدة النفسية ونوايا طلبها، بما يعني أن الاتجاهات الإيجابية تتحول إلى نوايا فعلية بصورة أقوى حين يمتلك الطالب قدرة عاطفية على إدراك مشكلاته النفسية والتعامل معها دون وصمة أو تردد أو إنكار
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعم هذه النتائج أهمية تنفيذ برامج تدخلية ترفع نوايا طلاب التمريض لاستخدام مركز الإرشاد الجامعي بما يحقق لهم المستوى الأمثل من الصحة النفسية والرفاه، وتشمل الاتجاهات العملية التوعية المبكرة بخدمات الإرشاد ومواقعها وإجراءاتها لمعالجة حالة عدم التأكد التي ظهرت منبئة بالنوايا، وتنمية الذكاء العاطفي لدى الطلاب بوصفه موردًا يعزز تحويل الاتجاهات الإيجابية إلى سلوك فعلي لطلب المساعدة، وخفض الوصمة المرتبطة بالمساعدة النفسية داخل كليات التمريض، وهي دلالات تخاطب مباشرة الجامعات السعودية والعربية التي تستثمر في خدمات الدعم النفسي لطلاب التخصصات الصحية، وتفيد الباحثين وطلاب الدراسات العليا في التمريض وعلم النفس الإرشادي عند تصميم دراسات الوساطة وبرامج تعزيز الصحة النفسية الجامعية
وخلاصة القول إن طلاب التمريض ذوي الذكاء العاطفي الأعلى وذوي الاتجاهات الأكثر إيجابية نحو طلب المساعدة كانوا أكثر ارتباطًا بنوايا طلب المساعدة النفسية المهنية، وإن الذكاء العاطفي يتوسط هذه العلاقة بصورة دالة، بما يجعل تنميته مدخلًا واعدًا لتعزيز استخدام الطلاب لخدمات الإرشاد الجامعي ودعم صحتهم النفسية، ويفتح المجال في الوقت ذاته لبحوث مستقبلية تختبر برامج تدخلية فعلية وتقيس أثرها في سلوك طلب المساعدة ذاته لا في نواياه المعلنة فحسب








