تمهيد
تُعد مهارات الوعي الصوتي التي تنمو في الطفولة المبكرة من أقوى المنبئات بنجاح الأطفال اللاحق في تعلم القراءة، إذ يقصد بها قدرة الطفل على الانتباه إلى أصوات اللغة والتعامل معها من مقاطع وأصوات أولى وكلمات مقفية، وهي قدرة تمهد لفك شفرة الكلمات المكتوبة وربط الحروف بأصواتها، ورغم هذه الأهمية الراسخة ما تزال الدراسات التطبيقية حول كيفية دعم هذه المهارات بصورة منهجية ومستدامة داخل فصول رياض الأطفال محدودة، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتصمم أنشطة منظمة نمائيًا وتنفذها وتفحص عملية التنفيذ والتغيرات المرصودة لدى الأطفال المشاركين ضمن إطار البحث الإجرائي، ويكتسب هذا الموضوع أهمية إضافية في ضوء ما تشير إليه الأدبيات من أن التدخل المبكر في مهارات ما قبل القراءة أيسر تحقيقًا وأعمق أثرًا من معالجة صعوبات القراءة بعد ظهورها وتفاقمها في المراحل الدراسية اللاحقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تصميم وتنفيذ أنشطة منظمة تطوريًا لدعم مهارات الوعي الصوتي لدى أطفال ما قبل المدرسة وإلى فحص عملية التطبيق والتغيرات المرصودة لدى الأطفال المشاركين فحصًا منهجيًا ضمن إطار البحث الإجرائي، وشارك في الدراسة 14 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 48 و60 شهرًا و30 معلمة من معلمات رياض الأطفال، واستُخدمت في جمع البيانات مقابلات المعلمات والملاحظات وسجلات الباحثة واختبار المعرفة القرائية المبكرة، بما أتاح تتبع سير الأنشطة أسبوعًا بعد أسبوع ورصد استجابات الأطفال وتفاعلهم وملاحظات المعلمات المشاركات في التنفيذ والتأمل في مجرياته، واعتنت الدراسة بتوثيق أدوار المعلمات بوصفهن شريكات في التخطيط والتنفيذ والتقويم، بما يعكس طبيعة البحث الإجرائي القائمة على تحسين الممارسة من داخلها وعلى التعلم المهني المصاحب لعملية التغيير الميداني
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تبين قبل التدخل أن درجات الوعي الصوتي لدى الأطفال منخفضة إذ بلغ متوسطها 9.85، وهو ما أكد الحاجة الفعلية إلى برنامج منظم يستهدف هذه المهارات التأسيسية في هذه المرحلة العمرية المبكرة قبل انتقال الأطفال إلى تعلم القراءة الرسمي
2، بعد فترة تطبيق استمرت ثمانية أسابيع ارتفع متوسط درجات الأطفال في قياس ما بعد التطبيق إلى 25.78 مقارنة بمتوسط 9.85 في القياس القبلي، بما يدل على تحسن واضح في مهارات الوعي الصوتي لدى الأطفال المشاركين عبر مدة البرنامج التعليمي المنظم
3، سُجلت أعلى متوسطات ما بعد التطبيق في مهارتي دمج المقاطع الصوتية ومطابقة الصوت الأولي، بما يشير إلى أن الأنشطة المصممة كانت أشد فاعلية في المهارات التي تدرجت من وحدات صوتية أكبر إلى وحدات أصغر بصورة متسلسلة ومناسبة لخصائص نمو الأطفال وقدراتهم المعرفية في هذه السن
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تعالج هذه الدراسة فجوة مهمة في الأدبيات بتقديمها مثالًا تطبيقيًا عمليًا لتعليم الوعي الصوتي داخل فصل حقيقي من فصول الطفولة المبكرة لا في ظروف مخبرية مصطنعة، وباعتمادها منهج البحث الإجرائي الذي يشرك المعلمات في التخطيط والتنفيذ والتأمل، وهو منهج قريب من واقع الممارسة وقابل للنقل إلى رياض الأطفال في البيئات العربية التي تسعى إلى تطوير الاستعداد القرائي لدى أطفالها، وتفيد نتائجها معلمات رياض الأطفال ومصممي المناهج في بناء أنشطة متدرجة تبدأ بالمقاطع والأصوات الأولى وتنتقل تدريجيًا إلى مهارات أدق، مع أهمية القياس القبلي والبعدي لمتابعة أثر التدخل، كما تفيد الباحثين وطلاب الدراسات العليا في تربية الطفولة المبكرة بصفتها نموذجًا لدراسات التدخل الصفي المصحوبة بتوثيق منهجي لعملية التنفيذ لا لنتائجها فحسب، وتظل الحاجة قائمة إلى دراسات أوسع نطاقًا وأطول متابعة للتحقق من استمرارية هذا التحسن ومن انتقاله إلى مهارات القراءة الفعلية عند التحاق الأطفال بالمدرسة الابتدائية، ولاختبار فاعلية البرنامج في بيئات ثقافية ولغوية مختلفة تتفاوت فيها البنى الصوتية للغة
وخلاصة القول إن برنامجًا تعليميًا منظمًا للوعي الصوتي طُبق على مدى ثمانية أسابيع ارتبط بارتفاع ملموس في درجات أطفال ما قبل المدرسة، بما يدعم إمكان تنمية هذه المهارات التأسيسية داخل الفصول الدراسية العادية بأنشطة مخططة بعناية ومناسبة لخصائص النمو في الطفولة المبكرة، ويعزز في الوقت ذاته مكانة المعلمة باحثة في فصلها قادرة على إنتاج معرفة تطبيقية موثوقة من ممارستها اليومية مع الأطفال








