تمهيد
أعادت المنصات الرقمية تشكيل عالم العمل عبر اقتصاد العمل المؤقت عند الطلب، إذ تُدار مهام ملايين العاملين اليوم بخوارزميات توزع الطلبات وتقيم الأداء وتحدد المكافآت والعقوبات دون إشراف بشري مباشر، وهو نمط إداري يعرف بالإدارة الخوارزمية ويحمل وعودًا بالكفاءة والشفافية بقدر ما يثير مخاوف الضغط والمراقبة وفقدان التحكم، وتتوقف آثار هذا النمط في رفاهية العاملين على كيفية تقييمهم المعرفي له، فقد يُقرأ بوصفه تحديًا محفزًا أو بوصفه تهديدًا مرهقًا، وتتدخل المرونة النفسية بوصفها موردًا فرديًا قد يعدل هذه العمليات، إذ يختبر ملايين العاملين حول العالم يوميًا قرارات تصدر عن أنظمة لا يرون أصحابها ولا يستطيعون مناقشتها، الأمر الذي يجعل فهم خبرتهم النفسية مع هذه الأنظمة قضية بحثية واجتماعية ملحة، وهو ما فحصته هذه الدراسة لدى عمال توصيل الطعام في الصين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية ارتباط الإدارة الخوارزمية في اقتصاد المنصات برفاهية عمال العمل المؤقت في أماكن عملهم، واستكشفت على وجه التحديد كيفية ارتباط الإدارة الخوارزمية بالتقييم الإيجابي بوصفها تحديًا وبالتقييم السلبي بوصفها تهديدًا، كما فحصت الدور المعدل للمرونة النفسية في هذه العلاقات وآثار عمليات التقييم المعرفي في رفاهية العاملين في أماكن العمل، وجُمعت البيانات من 389 عاملًا في توصيل الطعام بالصين، وحُللت العلاقات بين متغيرات الدراسة بما يسمح باختبار المسارات المباشرة وغير المباشرة والأدوار المعدلة في إطار تحليلي واحد، وتنطلق الدراسة من نموذج تقييم معرفي يميز بين قراءة مطالب العمل بوصفها فرصًا للنمو والإنجاز وقراءتها بوصفها مصادر تهديد تستنزف الموارد النفسية للعامل وتقوض شعوره بالأمان والاستقرار
ثانيًا: أبرز النتائج
1، ارتبطت الإدارة الخوارزمية ارتباطًا إيجابيًا بكل من التقييم بالتحدي والتقييم بالتهديد معًا، بما يعني أن تجربة خضوع العاملين لإدارة الخوارزميات ليست أحادية الاتجاه، فقد تولد في الوقت ذاته شعورًا بوجود فرص للإنجاز والنمو وشعورًا بالضغط والمخاطرة وفقدان السيطرة
2، ارتبط التقييم بالتحدي ارتباطًا إيجابيًا برفاهية العاملين في أماكن العمل، بينما ارتبط التقييم بالتهديد ارتباطًا سلبيًا بهذه الرفاهية، بما يؤكد أن ما يصنع الفارق في الرفاهية ليس التعرض للإدارة الخوارزمية وحده بل كيفية تفسير العاملين لهذه التجربة وتقييمهم المعرفي لمطالبها ومواردها
3، عززت المرونة النفسية مسار التقييم بالتحدي والعلاقة غير المباشرة الإيجابية المقابلة له مع رفاهية مكان العمل، لكنها لم تخفف بصورة دالة مسار التقييم بالتهديد، بما يشير إلى أن المرونة النفسية تؤدي أدوارًا مختلفة عبر هذين المسارين فتقوي الجانب الإيجابي منهما دون أن تحمي بالضرورة من الجانب السلبي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج تفسيرًا أكثر دقة وتفصيلًا للعلاقة بين الإدارة الخوارزمية ورفاهية عمال المنصات، إذ تتجاوز النظرة الأحادية التي تصف الخوارزميات بأنها نافعة أو ضارة على إطلاقها إلى فهم مزدوج يجمع بين عمليات تقييم إيجابية وسلبية متزامنة، وتحمل دلالات عملية لمشغلي المنصات وصانعي السياسات في المنطقة العربية التي يتسع فيها اقتصاد التوصيل والمنصات الرقمية بوتيرة سريعة، إذ تدعو إلى تصميم أنظمة خوارزمية تراعي كرامة العاملين وشفافية التقييم وإمكان التنبؤ بالدخل، وإلى برامج تدعم المرونة النفسية لدى العاملين مع التنبه إلى أن بناء المرونة وحده لا يكفي لمواجهة مسارات التهديد ما لم تُعالج مصادرها التنظيمية والتقنية ذاتها، كما تفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس التنظيمي ودراسات العمل الرقمي عند بناء أطرهم النظرية وتصميم تدخلاتهم المهنية، وتبدو التوصية الأهم في هذا الإطار هي إشراك العاملين أنفسهم في تقويم الأنظمة الخوارزمية التي تدير عملهم وفي تطويرها، فالمشاركة تمنحهم قدرًا من التحكم المدرك وتحول الخوارزمية من سلطة غامضة إلى أداة عمل قابلة للفهم والمساءلة والتطوير المشترك
وخلاصة القول إن الإدارة الخوارزمية ترتبط بعمليات تقييم معرفي مزدوجة لدى عمال المنصات، إذ تغذي شعور التحدي وشعور التهديد في آن واحد، وإن المرونة النفسية تعزز المسار الإيجابي نحو الرفاهية دون أن تلغي المسار السلبي، بما يستدعي تدخلات تجمع بين تطوير الأفراد وإصلاح الأنظمة








