تمهيد
تبرز الحاجة في الأنظمة الصحية اللامركزية إلى رصد أداء الأقاليم وتحديد المتغيرات الرئيسة المرتبطة بالتباين الإقليمي، حتى لا تتحول اللامركزية الإدارية إلى فجوات عدالة صحية بين المواطنين بحسب مكان إقامتهم، وتعد الوفيات القابلة للتجنيب مؤشرا محوريا لأداء أنظمة الرعاية الصحية، إذ تقيس الوفيات التي كان يمكن تفاديها بتدخلات صحية فعالة وفي الوقت المناسب، سواء عبر الوقاية والكشف المبكر أو عبر العلاج الجيد للحالات القابلة للشفاء، فإذا ارتفع معدلها في إقليم دون آخر كان ذلك جرس إنذار حول جودة النظام المحلي وعدالته، وتمثل إيطاليا بنظامها الصحي الإقليمي اللامركزي مختبرا طبيعيا ثريا لدراسة هذه الظاهرة وربطها بعوامل اقتصادية واجتماعية وتنظيمية، من بينها اتساع الاستعانة بمقدمي الخدمات الربحيين من خارج القطاع العام
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة الرصدية إلى تحليل التباين الإقليمي في الوفيات القابلة للتجنيب في إيطاليا بين عامي ألفين وخمسة عشر وألفين وتسعة عشر باستخدام معدلات الوفاة المعيارية بحسب العمر، وفحصت التباين بين الأقاليم في ضوء مجموعتين من المتغيرات، أولاهما اجتماعية اقتصادية تشمل صافي دخل الأسر ومعدلات الفقر ومستوى التعليم ومعدلات الأقليات العرقية، وثانيتهما متغيرات إنفاق صحي تشمل الإنفاق الصحي العام والخاص للفرد والاستعانة بمصادر خارجية لخدمات المرضى الداخليين والخارجيين لدى مقدمين ربحيين، واستخدمت نموذج انحدار متعدد المتغيرات ضم جميع المتغيرات مجتمعة لفحص الارتباطات الشاملة بالوفيات القابلة للتجنيب، بما يتيح عزل أثر كل عامل عن غيره داخل صورة واحدة
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: تراوحت معدلات الوفاة المعيارية بحسب العمر تراوحا واسعا بين الأقاليم الإيطالية خلال سنوات الدراسة، بما يؤكد أن الأداء الصحي الإقليمي غير متجانس رغم وحدة الإطار الوطني العام
النتيجة الثانية: ارتبطت الزيادة السنوية بمقدار نقطة مئوية واحدة في الاستعانة بالقطاع الخاص الربحي وفي معدل الفقر وفي معدل الأقليات العرقية بزيادة سنوية في الوفيات القابلة للتجنيب داخل نموذج الانحدار متعدد المتغيرات
النتيجة الثالثة: ارتبطت الزيادة السنوية بمقدار نقطة مئوية واحدة في صافي دخل الأسر في المقابل بانخفاض سنوي طفيف في الوفيات القابلة للتجنيب، بما يبرز الدور الوقائي للموارد الأسرية في الصحة
النتيجة الرابعة: خلصت الدراسة إلى أن الأداء المقاس بالوفيات القابلة للتجنيب يختلف جوهريا داخل الأنظمة اللامركزية، وأن متغيرات قابلة للتحديد تفسر هذا التباين وتؤثر فيه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو الدراسة صانعي السياسات إلى قراءة متكاملة لهذه النتائج لاتخاذ تدابير قادرة على تحسين الوفيات القابلة للتجنيب إقليميا، وإلى رصد مؤشرات الأنظمة الصحية باستمرار ولا سيما في مواجهة ممارسات متطورة كالاستعانة بمصادر خارجية التي قد تحمل مكاسب كفاءة قصيرة مقابل مخاطر عدالة وجودة طويلة، وتتقاطع هذه الأسئلة مع تحولات صحية جارية في دول عربية تتجه نحو مزيد من اللامركزية وإشراك القطاع الخاص في تقديم الخدمة، ما يجعل التجربة الإيطالية مرآة تحذيرية ومنهجية في آن واحد للباحثين في الاقتصاد الصحي وإدارة المستشفيات والسياسات الصحية، ويؤكد لطلاب الدراسات العليا قيمة المؤشرات المركبة كمعدلات الوفاة المعيارية في مقارنة الأنظمة وتتبع آثار الإصلاحات عبر الزمن بمنهجية صارمة
ويعود مفهوم الوفيات القابلة للتجنيب إلى أدبيات تقييم جودة الرعاية الصحية قبل عقود، حين اقترح بوصفه إشارة إنذار تستدعي التحقيق في أداء النظام كلما ارتفعت عن مستويات متوقعة، ثم تطور لاحقا ليميز بين وفيات قابلة للمنع بأدوات الصحة العامة ووفيات قابلة للمعالجة بتدخلات علاجية فعالة، وتكتسب المعايرة بحسب العمر أهميتها من كونها تجعل المقارنات بين الأقاليم عادلة رغم اختلاف تراكيبها السكانية بين شيخوخة ريفية وشباب حضري، وينبغي مع ذلك التعامل مع نتائج الانحدار بوصفها ارتباطات رصدية لا إثباتات سببية قاطعة، فالبيانات الإقليمية التجميعية قد تخفي تباينات داخل الإقليم الواحد، وهو تحفظ منهجي عام يلازم دراسات البيئة الصحية ويستحق أن يستحضره الباحثون وهم ينقلون أسئلتها إلى سياقاتهم الوطنية
وخلاصة القول إن الدراسة تربط إحصائيا بين اتساع الاستعانة بالقطاع الخاص والفقر وتركيبة السكان من جهة وارتفاع الوفيات القابلة للتجنيب من جهة أخرى، وبين دخل الأسر وانخفاضها، مقدمة لصانعي القرار الإيطالي وغيرهم خريطة عوامل قابلة للتدخل لتحسين عدالة الأداء الصحي الإقليمي








