تمهيد
يعاني قطاع الإنشاءات في الأردن من ظاهرة متكررة تتمثل في التأخيرات الكبيرة في الجداول الزمنية وتجاوز التكاليف للمشاريع، وهي مشكلة تعرفها معظم أسواق البناء في المنطقة العربية، إذ تتعقد المشاريع الإنشائية بفعل تعدد الأطراف وتشابك العقود وتقلب الأسعار، وتبرز في هذا السياق تقنيات التوائم الرقمية القائمة على نمذجة معلومات البناء والمدعومة بالذكاء الاصطناعي بوصفها وعدا تقنيا بإدارة المخاطر استباقيا، غير أن الأدلة التجريبية الرصينة على آثار هذه التقنيات ما تزال نادرة، وهو ما يجعل دراستها في بيئات فقيرة البيانات تحديا بحثيا حقيقيا يستحق الوقوف عنده
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج سببي احتمالي قائم على المعتقدات يوضح كيف يمكن أن تؤثر تقنيات التوائم الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مخاطر الوقت والتكلفة في مشاريع المباني الخرسانية المسلحة في الأردن، واعتمدت على الاستثارة المنظمة لآراء الخبراء بمشاركة ستمئة ممارس من ذوي الخبرة من المقاولين والاستشاريين ومديري المشاريع والأكاديميين، إذ وثقت أحكامهم حول الروابط السببية بين أربع مجموعات تقنية تشمل الكشف عن تقدم العمل بالذكاء الاصطناعي، والمساعدات الذكية الواعية بالعقود داخل بيئة نمذجة معلومات البناء، والتوائم التنبؤية للتكلفة والجدول الزمني، والتصميم وقابلية التنفيذ بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وبين آليات المشروع ونتائجه الرئيسة، ثم جمعت النماذج البايزية الهرمية الاحتمالات المستثارة في شبكة بايزية تمثل المعتقدات الجماعية للخبراء، واستخدمت محاكاة مونت كارلو وتحليل الحساسية الشامل وقيمة المعلومات الكاملة المتوقعة لاستكشاف سيناريوهات تبني التقنية والسياسات وترتيب الرافعات الأكثر تأثيرا، مع تأكيد الباحثين أن جميع النتائج الكمية مستمدة من أحكام الخبراء حصرا، دون أي بيانات أداء مشروعات قبلية أو بعدية
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: يعتقد الخبراء أن التوائم الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكنها، في ظل ظروف مثالية وعالية الجاهزية، أن تخفض بصورة حادة احتمالات تأخر الجداول الزمنية بما يتجاوز عشرين بالمئة واحتمالات تجاوز التكاليف بما يتجاوز عشرة بالمئة
النتيجة الثانية: تمثل هذه الأرقام توقعات متفائلة بحدها الأعلى قائمة على المعتقدات المستمدة من أحكام الخبراء، وليست آثارا مقاسة أو موثقة تجريبيا على أرض الواقع
النتيجة الثالثة: تعمل الشبكة البايزية بوصفها أداة دعم قرار واعية بعدم اليقين، تصلح للقرارات المبكرة المتعلقة بالسياسات والاستثمار في السياقات فقيرة البيانات
النتيجة الرابعة: يبرز النموذج أدوار التدريب والجاهزية التنظيمية وطلب العملاء بوصفها عوامل حاسمة إلى جانب تبني التقنية ذاتها، فلا يكفي اقتناء الأدوات دون بناء القدرات البشرية والمؤسسية الموازية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه الدراسة للباحثين العرب في إدارة الإنشاءات والهندسة المدنية نموذجا منهجيا للتعامل مع الأسئلة التقنية المستجدة حين تغيب البيانات الميدانية الطويلة، إذ تحول خبرة الممارسين المتراكمة إلى معرفة احتمالية منظمة قابلة للتحليل والمحاكاة واختبار السيناريوهات، كما تنبه صانعي القرار في الأردن والمنطقة إلى أن التحول الرقمي في البناء استثمار مؤسسي شامل يبدأ من التدريب وثقافة المنظمة وطلب العملاء الواعي، وتفتح الباب أمام دراسات عربية لاحقة توثق الأداء الفعلي للمشاريع قبل التبني وبعده للتحقق من هذه التوقعات المتفائلة أو تعديلها
وتجدر الإشارة إلى أن منهج استثارة آراء الخبراء المنظمة يحتل مكانة متنامية في بحوث إدارة المشاريع حين تتعذر البيانات الأرشيفية الموثقة، إذ يحول المعرفة الضمنية المتراكمة لدى الممارسين إلى تقديرات احتمالية قابلة للتجميع والتحليل، غير أن قيمته تظل مشروطة بصراحة الباحثين حول طبيعته الاعتقادية كما فعلت هذه الدراسة، وبتنويع مصادر الخبرة وتوثيق إجراءات الاستثارة ذاتها، وهي اعتبارات منهجية ينبغي أن يستحضرها طلاب الدراسات العليا العرب وهم يصممون دراساتهم في بيئات تفتقر إلى قواعد بيانات مشروعات مفتوحة، كما أن مشاريع البنية التحتية والمدن العملاقة الجارية في المنطقة العربية تجعل أسئلة الدراسة راهنة بامتياز، فإدارة مخاطر الوقت والتكلفة فيها لم تعد ترفا إداريا بل شرطا لنجاح استثمارات ضخمة تتجه إليها أنظار العالم
وخلاصة القول إن الدراسة تؤسس لخريطة معتقدات خبرائية دقيقة حول وعود التوائم الرقمية والذكاء الاصطناعي في إدارة مخاطر البناء الأردني، محذرة في الوقت ذاته من التعامل مع توقعات الخبراء بوصفها حقائق مقاسة، وداعية إلى استكمال الصورة بأدلة ميدانية تراكمية








