تمهيد
يتسارع دمج التعلم الرقمي في التعليم الطبي للدراسات العليا حول العالم، وأصبحت نظم إدارة التعلم منصات مركزية لتنظيم المحتوى والمتابعة والتواصل في برامج التدريب المهني والزمالات الطبية، غير أن توافر المنصة تقنيًا لا يعني بالضرورة توظيفها الفعال من قبل المتدربين، إذ تشير الخبرة العملية إلى أن استخدام هذه النظم لدى متدربي الزمالات قد يبقى دون المستوى المأمول بسبب ضعف الانخراط وغموض القيمة المدركة للمنصة في تحقيق متطلبات التدريب، وتزداد هذه المشكلة حدة في نماذج التدريب المدمج التي تجمع بين الحضور السريري والتعلم عن بعد، ومن هنا تنبع الحاجة إلى تدخلات تدريبية منظمة تعرف المتدربين بالمنصة وتبني مهاراتهم في توظيفها، وهو ما تناولته هذه الدراسة في سياق مراكز تدريب مصرية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم فاعلية التعلم الإلكتروني واستخدام منصة نظام إدارة التعلم في تعزيز أساليب التدريب المدمج لدى متدربي الزمالة المصرية في مراكز تدريب محافظة البحيرة، واعتمد الباحثون تصميمًا شبه تجريبي قبليًا وبعديًا على 211 متدربًا جديدًا من متدربي الزمالة بين شهري أغسطس وديسمبر من عام 2024، وأكمل المشاركون استبانة ذاتية مقننة تقيس تصوراتهم للتعلم الإلكتروني واستخدام نظام إدارة التعلم، ثم قُدم تدخل تدريبي قائم على التوجيه التعريفي اشتمل على تدريب عملي على التنقل داخل المنصة وتوظيف مواردها، وأجري التحليل المزدوج على 111 مشاركًا أكملوا التقييمين القبلي والبعدي معًا
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهر المشاركون بعد التدخل تحسنًا دالًا في إدراكهم للدعم المؤسسي وفي تصورهم العام للتعلم عن بعد، بما يعكس أثر التعريف المنظم بالمنصة في بناء مواقف أكثر إيجابية نحوها
2- سجلت جميع مجالات نظام إدارة التعلم تغيرات إيجابية دالة عند مستوى دلالة أقل من 0.01، وشملت سهولة الاستخدام وإمكانية الوصول إلى الموارد والأثر المدرك في التطور السريري وتخصيص التعلم وجدولة المقررات
3- ارتفعت نسبة المتدربين الذين يرون أن نظام إدارة التعلم ييسر تحقيق متطلبات التدريب ارتفاعًا ملحوظًا من 61.3 في المئة قبل التدخل إلى 87.4 في المئة بعده
4- لم تظهر تغيرات دالة في مستويات انخراط المتدربين أو في فاعلية التعلم عن بعد المدركة، بما يشير إلى أن التدخل التعريفي وحده لا يكفي لتغيير أنماط الانخراط العميقة أو معالجة العوائق السياقية المحيطة بالتدريب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن التدريب المنظم على نظم إدارة التعلم يحسن بصورة دالة تصورات المتدربين وإدراكهم لجدوى منصات التعلم الرقمي، لكن أثره يبقى محدودًا في الانخراط والعوائق السياقية، ولذلك توصي المؤسسات الصحية والتعليمية بإعطاء الأولوية للتدريب المستمر لا التعريفي العابر، ولتطوير البنية التحتية الرقمية، ولتصميم تفاعلي للمنصات يحفز المشاركة ويستثمر خصائص التخصيص والمتابعة، وتفيد هذه النتائج الجامعات والمستشفيات العربية التي توسع برامج الزمالات والتدريب المدمج، إذ تبين أن الاستثمار في المنصة ينبغي أن يوازيه استثمار مماثل في تأهيل المتدربين والمدربين ودعمهم الفني، كما تقدم الدراسة لطلاب الدراسات العليا في التعليم الطبي مثالًا تطبيقيًا على التصميم شبه التجريبي القبلي والبعدي وعلى أهمية الإبلاغ الصادق عن النتائج الدالة وغير الدالة على حد سواء
وتشير محدودية أثر التدخل في الانخراط إلى أن تغيير سلوك الاستخدام الرقمي عملية أعمق من مجرد التعريف بالأدوات، فهي ترتبط بثقافة التعلم السائدة داخل المؤسسة وبقيمة المحتوى المقدم عبر المنصة وبمدى ارتباطه بالاحتياجات السريرية اليومية للمتدربين، ومن ثم تحتاج المؤسسات إلى مجتمعات ممارسة رقمية نشطة ومدربين مقيمين يدعمون أقرانهم وإلى تغذية راجعة دورية تقيس الاستخدام الفعلي لا التصورات وحدها، كما أن استدامة أي تحسن تظل مرهونة بتحديث المنصة ومحتواها باستمرار وبمعالجة عوائق البنية التحتية كضعف الاتصال وندرة الأجهزة وضغط أعباء العمل السريري التي تنافس وقت التعلم الذاتي لدى أطباء الزمالة في مراحل تدريبهم المكثفة
وخلاصة القول إن نظم إدارة التعلم لا تصنع تعلمًا رقميًا فعالًا بمجرد إتاحتها، بل تحتاج إلى تدريب منظم مستمر وتصميم تفاعلي وبنية داعمة حتى تتحول من مخزن للموارد إلى بيئة تعلم حية تخدم التدريب الطبي المدمج وتطور كفايات المتدربين








