تمهيد
يحظى إعداد القيادات المدرسية باهتمام متزايد في نظم التعليم حول العالم، إذ تقع على عاتق قائد المدرسة مسؤوليات متنامية في تحسين نواتج التعلم وإدارة الموارد البشرية والمادية وبناء ثقافة مدرسية محفزة، وتضطلع الجامعات بدور محوري في هذا الإعداد عبر برامج متخصصة في القيادة التربوية، غير أن المعرفة البحثية بطبيعة هذه البرامج وفاعليتها في السياقات الأقل دراسة ما تزال محدودة، ومنها السياق العماني الذي يشهد تطورًا مستمرًا في منظومته التعليمية، وتأتي هذه الدراسة استجابة لدعوات متكررة إلى فهم أعمق لبرامج إعداد القيادات الجامعية وكيفية إسهامها الفعلي في تهيئة قادة المدارس لممارسة أدوارهم القيادية بثقة وكفاءة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقصي كيفية إسهام برامج إعداد القيادات القائمة في الجامعات بسلطنة عمان في إعداد قادة المدارس، وذلك عبر فحص ثلاثة محاور مترابطة هي رضا المشاركين عن هذه البرامج، وتصوراتهم لفاعليتها في بناء كفاياتهم القيادية، والتحديات المرتبطة بتنفيذها وتقديمها، واعتمد الباحثون على المنهج المختلط الذي يجمع بين الأدوات الكمية المسحية والبيانات النوعية المستمدة من روايات المشاركين وخبراتهم، بما أتاح التقاط صورة شاملة تتجاوز الأرقام إلى المعاني والتجارب الحية للدارسين والخريجين داخل هذه البرامج وفي مواقع عملهم المدرسية
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت نتائج المسح مستويات رضا مرتفعة عن توافر موارد الدعم وعن جودة أعضاء هيئة التدريس، وبرز هذان المكونان بوصفهما عنصرين محوريين في تشكيل الخبرات الإيجابية للمشاركين داخل البرامج
2- عززت الروايات النوعية هذا الرضا المرتفع عن أعضاء هيئة التدريس، إذ أشاد المشاركون بخبرتهم الموضوعية وملفاتهم البحثية والتزامهم بدعم الطلبة ومتابعتهم، وهو ما منح البرامج رصيدًا أكاديميًا موثوقًا لدى دارسيها
3- أظهرت البيانات الكمية والنوعية معًا أن المشاركين لا يرون أن البرامج تعدهم إعدادًا كافيًا في جميع جوانب القيادة، ولا سيما في تقويم المعلمين وتحسين أدائهم وفي إعداد الميزانية المدرسية وإدارتها وفي التعامل مع انضباط الطلبة
4- أبرزت النتائج النوعية أن الطلبة والخريجين يدركون البرامج بوصفها قوية نظريًا لكنها غير متجذرة بما يكفي في الممارسة القيادية الواقعية، بما يشير إلى فجوة مستمرة بين النظرية والتطبيق في تصميم هذه البرامج وتقديمها
5- أثارت الدراسة تساؤلات جوهرية حول طبيعة الممارسة التي يطلب الطلبة الإعداد لها، خاصة في ظل هيمنة المقاربات التقنية والأدائية في فهم القيادة المدرسية وممارستها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه الدراسة للجامعات العربية ووزارات التربية والتعليم مادة غنية لإعادة النظر في برامج إعداد القيادات التعليمية، إذ تدعو نتائجها إلى تعزيز المكونات التطبيقية والميدانية داخل هذه البرامج، وربط المحتوى النظري بمواقف قيادية واقعية كالتقويم التطويري للمعلمين وإدارة الموازنات وضبط البيئة المدرسية، كما تبرز أهمية الاستماع المنتظم لرضا الدارسين وتصوراتهم عند تطوير البرامج وتقويمها، وللباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا تمثل الدراسة مثالًا ناجحًا على توظيف المنهج المختلط في دراسة قضايا القيادة التربوية في سياق خليجي، وتفتح آفاقًا لدراسات مقارنة بين دول المنطقة حول الفجوة بين النظرية والممارسة في إعداد القادة التربويين
وتزداد قيمة هذه الدراسة في ضوء ندرة البحوث المنشورة عن إعداد القيادات التعليمية في دول الخليج العربية مقارنة بوفرتها في السياقات الغربية، إذ تقدم دليلًا ميدانيًا من داخل البرامج ذاتها ومن أفواه دارسيها وخريجيها، وتمنح مخططي البرامج أساسًا واقعيًا لتحديد أولويات التطوير بدل الانطلاق من افتراضات عامة، كما أن تركيزها على مهارات بعينها كتقويم المعلمين والميزانية والانضباط المدرسي يساعد على تحويل الشكوى العامة من ضعف الجانب التطبيقي إلى أجندة تطوير محددة قابلة للتنفيذ والقياس، سواء عبر التدريب الميداني الممتد أو المحاكاة أو الشراكات المنظمة مع المدارس ومديريات التربية والتعليم في المحافظات المختلفة
وخلاصة القول إن برامج إعداد القيادات التعليمية في الجامعات العمانية تتمتع بأساس أكاديمي متين ودعم تدريسي مقدر من دارسيها، غير أن اكتمال فاعليتها يظل مرهونًا بسد الفجوة بين النظرية والممارسة وتقوية الإعداد في المهارات القيادية التطبيقية التي يطالب بها الميدان المدرسي بإلحاح








