تمهيد
يفرض اضطراب طيف التوحد تحديات مهمة على التعليم الدامج، إذ يحتاج الطلبة ذوو هذا الاضطراب إلى معلمين يمتلكون معرفة كافية بطبيعته وتصورات إيجابية نحوه وثقة مهنية ومهارات مناسبة للدعم داخل الصف، ورغم التركيز المتنامي على التعليم الدامج في المملكة العربية السعودية ما تزال هناك فجوات في معرفة المعلمين المتعلقة بالتوحد وفي تدريبهم المهني وفي جاهزيتهم لدعم الطلبة ذوي التوحد في بيئات المدارس الدامجة، فالدمج الناجح لا يتحقق بمجرد وجود الطالب في الصف النظامي، بل بمنظومة من الكفايات المعرفية والاتجاهية والعملية لدى المعلم، وتأتي هذه الدراسة لتقيس هذين البعدين لدى معلمي الرياض وتبحث العوامل المرتبطة بهما
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم المعرفة والتصورات نحو الطلبة ذوي اضطراب طيف التوحد لدى معلمي التعليم العام والتربية الخاصة في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، وتحديد العوامل الديموغرافية والمهنية المرتبطة بكل من الناتجين، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا طبق على 381 معلمًا ومعلمة من معلمي التعليم العام والتربية الخاصة في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية بالرياض، وجمعت البيانات باستبانة ذاتية التطبيق تضمنت الخصائص الديموغرافية والمهنية وعشرين فقرة للمعرفة وخمس عشرة فقرة للتصورات مقدرة على مقياس ليكرت الخماسي، إذ دلت الدرجات المعرفية الأعلى على معرفة واقعية أعمق بالتوحد، ودلت درجات التصورات الأعلى على تصورات أكثر إيجابية نحو الطلبة ذوي التوحد والتعليم الدامج، واستخدمت الإحصاءات الوصفية لتلخيص الخصائص والدرجات، وتحليل ارتباط بيرسون لفحص العلاقات بين المتغيرات المتصلة، وتحليلات انحدار خطي متعدد منفصلة لتحديد منبئات درجات المعرفة ودرجات التصورات
ثانيًا: أبرز النتائج
أولًا، أظهر معظم المعلمين مستوى متوسطًا من المعرفة باضطراب طيف التوحد بنسبة بلغت 53 بالمئة، بينما كانت معرفة نسبة 34.9 بالمئة منهم جيدة، وكانت معرفة نسبة 12.1 بالمئة منهم ضعيفة، مما يرسم صورة لقاعدة معرفية قائمة لكنها غير مكتملة
ثانيًا، أبدى المعلمون إدراكًا قويًا لكون التوحد حالة عصبية نمائية ولفوائد التدخل المبكر، في حين لوحظت فجوات نسبية في مجالات مرتبطة باستراتيجيات التدريس والتواصل المعزز والبديل وأساليب الدعم داخل الصف
ثالثًا، جاءت التصورات في معظمها محايدة بنسبة 43.8 بالمئة أو إيجابية بنسبة 42 بالمئة، مما يشير إلى أن كثيرًا من المعلمين يدعمون الدمج لكنهم ما زالوا يحتاجون إلى مزيد من الثقة والموارد والدعم المهني لترجمة هذا الدعم إلى ممارسة واثقة
رابعًا، كان التدريب المهني وخبرة تدريس الطلبة ذوي التوحد والدور التدريسي من العوامل المهمة المرتبطة بمعرفة المعلمين وتصوراتهم، بما يؤكد أن الخبرة العملية والتدريب المتخصص يصنعان فارقًا حقيقيًا في جاهزية المعلم للدمج
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن معلمي التعليم العام والتربية الخاصة في الرياض يمتلكون في الغالب معرفة متوسطة وتصورات محايدة إلى إيجابية نحو الطلبة ذوي اضطراب طيف التوحد، وتبرز النتائج أهمية التطوير المهني المنظم الذي يركز على التوحد، والتعرض العملي داخل الصفوف، والتعاون بين معلمي التعليم العام ومعلمي التربية الخاصة لتعزيز ممارسات التعليم الدامج في المملكة العربية السعودية، وتفيد هذه الرسالة إدارات التعليم والمدارس في تصميم برامج تدريبية تسد الفجوات المرصودة في استراتيجيات التدريس والتواصل المعزز والبديل، كما تفيد كليات التربية في تطوير إعداد المعلم قبل الخدمة، أما الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا فيجدون في أداتها ومنهجها نموذجًا قابلًا للتطبيق في مدن وسياقات عربية أخرى لقياس جاهزية المعلمين للدمج ومقارنة أثر التدريب والخبرة فيها
كما تمنح النتائج مؤشرًا عمليًا لترتيب أولويات التدريب، فالفجوات المرصودة في استراتيجيات التدريس والتواصل المعزز والبديل والدعم الصفي أهداف تعليمية محددة يمكن بناء وحدات تدريبية مركزة حولها وقياس أثرها قبل التدريب وبعده، بدل برامج عامة تتناول التوحد بعموميات لا تصل إلى ممارسات الصف اليومية التي يحتاجها المعلم فعلًا في تعامله المباشر مع طلبته
وخلاصة القول إن نجاح دمج الطلبة ذوي اضطراب طيف التوحد يبدأ من المعلم معرفة وتصورًا وثقة، وإن الاستثمار في تدريب مهني منظم وخبرة صفية حقيقية وتعاون مهني بين تخصصات التعليم العام والتربية الخاصة هو الطريق الأقصر إلى مدارس دامجة عادلة وفعالة لجميع الطلبة








