تمهيد
تُعد العلاقات العاطفية من أكثر مجالات الحياة الإنسانية تأثيرًا في التوازن النفسي والاجتماعي للفرد، غير أنها قد تنطوي أحيانًا على أنماط خفية من التلاعب والإيذاء النفسي يصعب على الطرف المتضرر إدراكها أو الاعتراف بها، ومن أبرز هذه الأنماط ما يُعرف بالتلاعب النفسي المنهجي المعروف بإثارة الشك الذاتي، وهو سلوك يسعى من خلاله أحد الطرفين إلى زعزعة ثقة الطرف الآخر بإدراكه وذاكرته وحكمه على الأمور حتى يغدو أكثر اعتمادًا عليه وأكثر تقبلًا لسيطرته، وتنشأ المفارقة المؤلمة حين يتحمل الإنسان هذا التلاعب ويجده مقبولًا رغم ما يسببه من أذى، وهنا يبرز مفهوم إدمان الحب بوصفه نمطًا من التعلق المفرط بالشريك تتداخل فيه الحاجة العاطفية الشديدة مع الخوف من الفقد والهجران، وتسعى هذه الدراسة إلى فهم العلاقة بين إدمان الحب ومدى تقبل التلاعب النفسي داخل العلاقات العاطفية عبر آليات نفسية وسيطة تفسر هذه العلاقة وتكشف مساراتها الخفية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار أثر إدمان الحب في مدى إدراك الأفراد لقبول التلاعب النفسي في العلاقات العاطفية، مع التركيز على الدور الوسيط لمتغيرين اثنين هما الإحساس بالعطاء وقوة العلاقة، إذ يفترض الباحثون أن من يعاني إدمان الحب قد يبالغ في العطاء داخل العلاقة ويشعر بضعف موقعه وقوته فيها، فتتغير نظرته إلى السلوكيات المتلاعبة ويصبح أكثر استعدادًا لتبريرها وقبولها، واعتمدت الدراسة المنهج المسحي عبر استبانات إلكترونية وُزعت على طلبة جامعيين في جنوب غرب الصين خلال المدة من أكتوبر إلى ديسمبر من عام 2023، واستخدمت مقياس إدمان الحب واستبيان الإحساس بالعطاء ومقياس قوة العلاقة الجنسية واستبيان التلاعب النفسي، ومن أصل 480 استجابة جُمعت احتفظ الباحثون بعدد 464 استبانة صالحة للتحليل بنسبة استجابة صالحة بلغت 96.7٪، وعولجت البيانات إحصائيًا ببرنامج الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية في إصدارها السابع والعشرين، بدءًا بالإحصاءات الوصفية من متوسطات وانحرافات معيارية، ثم تحليل الارتباط بمعامل بيرسون، ثم تحليل الوساطة المتسلسلة للكشف عن المسارات المباشرة وغير المباشرة بين المتغيرات
ثانيًا: أبرز النتائج
١- لم يتنبأ إدمان الحب مباشرة بمدى تقبل التلاعب النفسي بعد ضبط أدوار المتغيرات الوسيطة، إذ بلغ معامل المسار المباشر 0.037 عند مستوى دلالة 0.549 وهو غير دال إحصائيًا، ما يعني أن العلاقة بين المتغيرين لا تسير في خط مباشر بسيط
٢- ظهر أثر وسيط مستقل للإحساس بالعطاء بين إدمان الحب وتقبل التلاعب النفسي، إذ بلغ معامل الأثر غير المباشر 0.106 وبفاصل ثقة 95٪ تراوح بين 0.014 و0.202، ومثّل هذا المسار نسبة 36.30٪ من الأثر الكلي
٣- ظهر أثر وسيط مستقل مماثل لقوة العلاقة، إذ بلغ معامل الأثر غير المباشر 0.106 وبفاصل ثقة 95٪ تراوح بين 0.054 و0.166، ومثّل هذا المسار أيضًا نسبة 36.30٪ من الأثر الكلي
٤- تحقق مسار وسيط متسلسل يجمع المتغيرين معًا، فينتقل الأثر من إدمان الحب إلى الإحساس بالعطاء ثم إلى قوة العلاقة ثم إلى تقبل التلاعب النفسي، وبلغ معامل هذا المسار 0.043 وبفاصل ثقة 95٪ تراوح بين 0.009 و0.079، ومثّل نسبة 14.73٪ من الأثر الكلي
٥- فسرت المتغيرات الوسيطة مجتمعة نسبة 87.33٪ من الأثر الكلي، وهو ما يشير إلى نموذج وساطة كاملة تختفي فيه العلاقة المباشرة وتعمل فيه العلاقة عبر الآليات النفسية الوسيطة وحدها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف هذه النتائج أن فهم تقبل التلاعب النفسي لا يكتمل بالنظر إلى سمات الشخصية وحدها، بل يستلزم النظر في ديناميات العلاقة ذاتها وفي إحساس الفرد بعطائه وموقعه من القوة داخلها، فالمبالغة في العطاء قد تتحول إلى مبرر ذاتي لتحمل الإيذاء، وضعف الإحساس بالقوة قد يجعل التخلي عن العلاقة أمرًا مهددًا في نظر صاحبه، ومن هنا تكتسب الدراسة أهميتها للباحثين العرب في علم النفس الأسري والإرشاد النفسي، إذ تقدم نموذجًا تفسيريًا قابلًا للاختبار في البيئات العربية التي تتشابك فيها قيم العطاء والتضحية داخل الأسرة والعلاقات العاطفية مع حدود الذات وحمايتها، كما تفتح الباب أمام برامج توعية تساعد الأفراد على التمييز بين العطاء الصحي والعطاء القهري، وبين الحب المتوازن والتعلق المرضي، ويمكن للإرشاد النفسي والزواجي أن يستفيد من هذه الآليات في بناء تدخلات تستهدف تعزيز الوعي بالتلاعب النفسي وتقوية إحساس الفرد بقيمته واستقلاله داخل العلاقة
وخلاصة القول إن إدمان الحب لا يقود إلى تقبل التلاعب النفسي بصورة مباشرة، بل عبر شبكة من الآليات النفسية يتصدرها الإحساس المفرط بالعطاء وضعف قوة الفرد داخل العلاقة، وإدراك هذه المسارات خطوة أساسية نحو علاقات عاطفية أكثر توازنًا وأمانًا








