تمهيد
تمثل بطالة الشباب واحدة من أخطر التحديات الاقتصادية والاجتماعية في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ ترتفع معدلاتها إلى مستويات تهدد الاستقرار الاجتماعي وتطلعات أجيال كاملة نحو العمل الكريم والمشاركة المنتجة، ويثار في الأدبيات سؤال جوهري حول قدرة الإنفاق العام الحكومي على خلق فرص عمل للشباب، وحول ما إذا كانت جودة الحوكمة تعزز هذا الأثر أو تضعفه، وقد تناولت بحوث سابقة الإنفاق العام والحوكمة وبطالة الشباب غالبًا بصورة منفصلة، بينما ظلت اقتصادات المنطقة العربية وشمال أفريقيا أقل تغطية في هذا الحقل البحثي مقارنة بغيرها من الأقاليم، ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي تفحص العلاقة بين الإنفاق الحكومي وبطالة الشباب، وتختبر الدور المعدِّل للحوكمة في هذه العلاقة اختبارًا قياسيًا دقيقًا عبر مدى زمني طويل وعدد كبير من دول المنطقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس أثر الإنفاق الحكومي في بطالة الشباب، واختبار ما إذا كانت الحوكمة تعدّل هذه العلاقة، وذلك في عشرين دولة من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر الفترة الممتدة من عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين إلى عام ألفين وثلاثة وعشرين، واعتمدت الدراسة مقدرات التأثيرات المترابطة المشتركة للمجموعة المتوسطة بنسختيها الساكنة والديناميكية، وهي أدوات قياسية ملائمة للبيانات اللوحية غير المتجانسة، واستكملتها بتحليل معاملات متوسطة للأجل القصير مع تصحيح انحياز العينات الديناميكية الصغيرة المدى بوصفه فحصًا لمتانة النتائج، ويمنح هذا التصميم المنهجي المتعدد الدراسة قدرة على التعامل مع الارتباطات المقطعية بين الدول وتباين استجاباتها، بما يعزز مصداقية الاستدلالات المستخلصة لصناع السياسات في المنطقة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر الإنفاق العام أثرًا سلبيًا دالًا في بطالة الشباب، بما يعني أن زيادة الإنفاق الحكومي ترتبط بانخفاض بطالة الشباب، وهو ما يؤكد الدور الحاسم للإنفاق العام في خلق فرص العمل للفئات الشابة
2، برزت القناة التمويلية لهذا الأثر بوضوح؛ فحين يموّل الإنفاق الحكومي مشروعات منتجة تتولد فرص عمل إضافية وتنخفض بطالة الشباب، بينما يضعف هذا الأثر حين يتجه الإنفاق إلى أوجه غير منتجة
3، جاءت الحوكمة وتفاعلها مع الإنفاق الحكومي غير دالين إحصائيًا، بما يعني أن مؤشرات الحوكمة لا تمارس تأثيرًا غير مباشر أو معدِّلًا في العلاقة بين الإنفاق العام وبطالة الشباب في دول المنطقة خلال فترة الدراسة
4، أكدت فحوص المتانة اتساق النتيجة الرئيسة بشأن أثر الإنفاق العام، مما يمنح صناع القرار أساسًا أمتن لتوجيه السياسات المالية نحو التشغيل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة صناع السياسات في المنطقة بتوجيه الإنفاق الحكومي نحو مشروعات التصنيع والزراعة وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة، لما تحققه هذه القطاعات من تحفيز للناتج المحلي الإجمالي وتوليد للوظائف، وبما يخفف بطالة الشباب بصورة مباشرة، وتحمل النتيجة المتعلقة بغياب الدور المعدِّل للحوكمة دلالة مهمة مفادها أن أثر الإنفاق في التشغيل لا يتوقف بالضرورة على تحسن مؤشرات الحوكمة أولًا، بل يمكن تحقيقه بتوجيه الإنفاق ذاته نحو القنوات المنتجة، وتهم هذه الدراسة الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الاقتصاد والسياسات العامة، إذ تقدم نموذجًا قياسيًا حديثًا قابلًا للتطبيق على قضايا المنطقة، وتفتح أسئلة مستقبلية حول كفاءة تخصيص الإنفاق وجودته القطاعية وأثره التفاضلي بين الفئات والدول
وتجدر الإشارة إلى أن تجانس النتيجة العامة لا يلغي التباينات القطرية داخل المنطقة، إذ تختلف هياكل الاقتصادات وأسواق العمل وتركيبة الإنفاق العام من دولة إلى أخرى، مما يجعل الدراسات القطرية المتعمقة مكملًا ضروريًا للتحليلات الإقليمية المجمعة، كما أن الاهتمام بجودة الإنفاق لا بكمّه فحسب يظل محورًا واعدًا للبحث المستقبلي، خاصة ما يتصل بكفاءة إدارة المشروعات العامة ومتابعة آثارها التشغيلية عبر الزمن
وخلاصة القول: إن الإنفاق العام الموجه نحو المشروعات المنتجة أداة فعالة لخفض بطالة الشباب في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويظل حسن توجيهه قطاعيًا هو مفتاح تحويل السياسة المالية إلى فرص عمل حقيقية للأجيال الصاعدة








