تمهيد
يتصاعد الاهتمام برفاه أعضاء هيئة التدريس في مؤسسات التعليم العالي مع تسارع التحولات المجتمعية والإصلاحات المؤسسية التي تعيد تشكيل أعباء الأستاذ الجامعي وأدواره في التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع، فالرفاه هنا ليس رفاهية نفسية فردية، بل شرط مؤسسي تنعقد عليه جودة التدريس وإنتاجية البحث وأداء الخدمة، وتتوسطه آليات تنظيمية كالقيادة والدعم المؤسسي وأعباء العمل والموارد والتطوير المهني والتقدير، وكثيرًا ما اختزلت الأدبيات هذا الرفاه في الرضا الوظيفي وحده، فجاءت هذه الدراسة لتختبر تصورًا أوسع يعامل رفاه الأستاذ بناءً مركبًا متعدد الأبعاد ويبحث علاقته بالأداء الأكاديمي مباشرة وعبر الرضا الوظيفي وسيطًا محتملًا
وتهم الدراسة الباحثين العرب وقادة الجامعات السعودية والخليجية بصورة خاصة، لأنها منفذة في جامعة سعودية وبأدوات قياس مقننة وأساليب تحليل متقدمة، وتقدم دليلًا محليًا على أن الاستثمار المؤسسي في رفاه الأستاذ الجامعي ليس إنفاقًا اجتماعيًا ثانويًا بل رافعة أداء ينبغي أن تحضر في التخطيط الاستراتيجي للجامعات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة، وهي المرحلة الثانية من مشروع بحثي أوسع، إلى تقويم رفاه أعضاء هيئة التدريس بوصفه بناء انعكاسيًا انعكاسيًا من الدرجة الثانية، وفحص علاقاته بالرضا الوظيفي والأداء الأكاديمي بما في ذلك وساطة الرضا الوظيفي، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا باستبانة ذات بنود مغلقة ومفتوحة أجاب عنها مئة وتسعة عشر عضو هيئة تدريس في جامعة سعودية واحدة، وطُبقت نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية مع خمسة آلاف إعادة معاينة بالتمهيد الذاتي، واستُكملت الصورة بمقابلات منظمة مع ثمانية من أعضاء هيئة التدريس ومجموعة نقاش مركزة مع ثمانية من القادة الأكاديميين، وحُللت الأدلة النوعية موضوعيًا ودُمجت مع الكمية في مرحلة التفسير
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر نموذج القياس ثباتًا مرضيًا وصدقًا تقاربيًا وتمييزيًا مقبولين لبناء رفاه أعضاء هيئة التدريس المركب وعلاقاته المدروسة
2، فسر رفاه أعضاء هيئة التدريس ما نسبته أربع وسبعون وثلاثة أعشار بالمئة من تباين الرضا الوظيفي، وفسر مع الرضا الوظيفي مجتمعين ما نسبته ست وثلاثون وواحد بالمئة من تباين الأداء الأكاديمي
3، ارتبط الرفاه بقوة بالرضا الوظيفي وارتبط ارتباطًا دالًا بالأداء الأكاديمي مباشرة، بما يؤكد مكانته شرطًا مؤسسيًا للأداء لا مجرد انعكاس له
4، لم تكن علاقة الرضا الوظيفي بالأداء الأكاديمي دالة، كما لم يكن الأثر غير المباشر للرفاه في الأداء عبر الرضا دالًا إحصائيًا، إذ بلغ معامل المسار صفرًا فاصل مئة وخمسة وعشرين بفترة ثقة مصححة امتدت من سالب صفر فاصل مئة وخمسة وثمانين إلى صفر فاصل أربعمئة وأربعة وسبعين فشملت الصفر
5، أبرزت النتائج النوعية القيادة والدعم المؤسسي وأعباء العمل والموارد والتطوير المهني وجودة بيئة العمل والتقدير بوصفها آليات تنظيمية يقوم عليها رفاه الأستاذ وأداؤه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج، في حدود التصميم المقطعي ومؤسسة واحدة والأداء المُبلَّغ ذاتيًا، إلى أن رفاه أعضاء هيئة التدريس قد يعمل شرطًا مؤسسيًا متعدد الأبعاد يدعم أداء التدريس والبحث والخدمة عبر مسارات تنظيمية متعددة، لا عبر الرضا الوظيفي وحده بصورة أساسية، وبذلك تتحول إدارة الرفاه من مبادرات متفرقة إلى سياسة مؤسسية تشمل عدالة أعباء العمل ووفرة الموارد وبرامج التطوير المهني وآليات التقدير وجودة القيادة الأكاديمية، وبالنسبة إلى الباحثين العرب، تقدم الدراسة نموذجًا منهجيًا للدراسات مختلطة الأساليب متعددة المصادر يمكن تكراره في جامعات أخرى ومقارنة نتائجه عبر السياقات الوطنية والمؤسسية المختلفة
وتكتسب نتيجة غياب وساطة الرضا الوظيفي دلالة نظرية لافتة، إذ تتحدى النموذج الخطي البسيط الذي يفترض أن تحسين مشاعر الأستاذ يكفي وحده لرفع أدائه، وتدعم بدلًا منها تصورًا شبكيًا تتفاعل فيه القيادة والموارد وأعباء العمل والتقدير تأثيرًا مباشرًا ومتزامنًا في الأداء، كما يمنح الدمج بين النمذجة البنائية والمقابلات ومجموعة النقاش المركزة الدراسة عمقًا تفسيريًا يندر في دراسات الرفاه الجامعي المعتمدة على الاستبانات وحدها، إذ أمكن سماع صوت القادة والأساتذة وهم يصفون الآليات التنظيمية التي تقف خلف الأرقام، ويظل اختبار هذا النموذج في جامعات عربية متعددة وبتصميمات طولية تتتبع الرفاه والأداء عبر الزمن خطوة بحثية طبيعية تالية لهذا الجهد التأسيسي المحلي
وخلاصة القول: إن الأستاذ الجامعي المرفَّه مؤسسيًا ليس أكثر رضًا فحسب، بل أقدر على الأداء الأكاديمي الرصين، ومعالجة رفاهه بوصفه بنية مؤسسية لا حالة فردية هي الرسالة المركزية التي تحملها هذه الدراسة إلى قادة التعليم العالي وباحثيه








