تمهيد
تعد الكفاءة الاجتماعية الانفعالية من العوامل الجوهرية المسهمة في نجاح الطلاب أكاديميًا ورفاههم النفسي، إذ تشمل قدرة الفرد على فهم انفعالاته وإدارتها، وبناء علاقات إيجابية مع الآخرين، واتخاذ قرارات مسؤولة في سياقات اجتماعية متنوعة، ورغم اتساع البحث العالمي في هذا المفهوم وبرامجه التربوية، ما تزال الدراسات التي تتناوله داخل السياق الديموغرافي والإثني الفريد للأقلية العربية في إسرائيل شحيحة، وهو سياق تتعايش فيه أنظمة تعليمية فرعية متمايزة ثقافيًا ومؤسسيًا رغم اشتراكها في اللغة والإطار العام، ويمنح هذا التمايز الداخلي فرصة بحثية نادرة لفحص أثر الخلفية الثقافية الإثنية والسياق المؤسسي في تشكيل الكفاءة الاجتماعية الانفعالية لدى الأطفال، بعيدًا عن المقارنات الواسعة بين ثقافات متباعدة يصعب ضبط متغيراتها
وتهم هذه الدراسة الباحثين العرب في علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد النفسي، لأنها تقدم دليلًا مقارنًا من بيئة عربية قلّما وصلت إلى الأدبيات العالمية، وتنبه إلى مخاطر الحلول التربوية الموحدة التي تتجاهل الخصوصيات الثقافية والمؤسسية للمجتمعات المحلية عند تصميم برامج تنمية المهارات الاجتماعية الانفعالية في المدارس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص مستويات الكفاءة الاجتماعية الانفعالية عبر ثلاثة أنظمة تعليمية فرعية متمايزة هي: النظام العربي العام، والنظام الدرزي، والنظام البدوي، إلى جانب فحص علاقتها بالجنس والمستوى الاجتماعي الاقتصادي، واشتملت العينة على ثمانمئة واثنين وخمسين طالبًا وطالبة من الصفين الخامس والسادس جرى اختيارهم من خمس عشرة مدرسة ابتدائية في شمال إسرائيل، وقِيست الكفاءة الاجتماعية الانفعالية باستبانة تقرير ذاتي إلكترونية مكيفة مكونة من أربعين بندًا موزعة على مقياسين فرعيين: انفعالي واجتماعي، واعتمد التحليل على تحليل التباين العاملي بتصميم ثلاثة في اثنين، واختبارات تائية مستقلة للمقارنات الثنائية والفروق بين المجموعات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر تحليل التباين العاملي أثرًا رئيسًا دالًا للنظام التعليمي الفرعي في مستويات الكفاءة الاجتماعية الانفعالية لدى الطلاب
2، بينت المقارنات البعدية الثنائية أن طلاب النظام الدرزي سجلوا درجات أعلى بدلالة إحصائية من أقرانهم في كل من النظام العربي العام والنظام البدوي
3، لم تكشف الاختبارات التائية المستقلة عن فروق دالة في الكفاءة الاجتماعية الانفعالية تعزى إلى الجنس أو مستوى الصف الدراسي أو المستوى الاجتماعي الاقتصادي
4، تشير النتائج مجتمعة إلى أن الخلفية الثقافية الإثنية والسياقات المؤسسية المتمايزة هي المصادر الرئيسة للتباين في الكفاءة الاجتماعية الانفعالية داخل هذه العينة، لا الخصائص الفردية أو الاقتصادية المألوفة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبه الدراسة إلى ضرورة الحذر في تفسير هذه النتائج بالنظر إلى النطاق الإقليمي للعينة والتصميم المقطعي للدراسة، وبخاصة أن آليات تفسيرية محورية كالاتصال بين الجماعات والانتماء المجتمعي لم تُقَس مباشرة وظلت تفسيرات نظرية مرشحة، وعلى الصعيد التطبيقي، تدعو النتائج إلى الابتعاد عن مقاربات المقاس الواحد المناسب للجميع في برامج التعلم الاجتماعي الانفعالي، لصالح تدخلات حساسة ثقافيًا ومكيفة محليًا تراعي بنية كل مجتمع وقيمه وسياقه المؤسسي، وبالنسبة إلى الباحثين في المجتمعات العربية، تفتح الدراسة بابًا لبحوث مقارنة داخل البلد الواحد وبين الأقطار، ولمقاييس مقننة ثقافيًا للكفاءة الاجتماعية الانفعالية تصلح أساسًا لبرامج إرشادية مدرسية رشيدة
وتثير النتيجة المتعلقة بغياب أثر المستوى الاجتماعي الاقتصادي تأملًا خاصًا، إذ تخالف حدسًا شائعًا يربط الموارد الأسرية مباشرة بكل مخرجات النمو، وتدفع إلى إعادة التفكير في وزن العوامل الثقافية والمؤسسية مقارنة بالعوامل المادية في تشكيل شخصية الطفل الاجتماعية الانفعالية داخل المجتمعات المتماسكة مجتمعيًا، كما أن تقارب درجات الجنسين في هذه المرحلة العمرية يفتح سؤالًا نمائيًا حول توقيت ظهور الفروق الجندرية في التعبير الانفعالي والمهارات الاجتماعية وعلاقته بأدوار التنشئة اللاحقة، وتبقى الحاجة قائمة إلى دراسات طولية تتبع هؤلاء الطلاب عبر المراهقة، وإلى مقاييس ملاحظة سلوكية تكمل تقارير الأطفال الذاتية حتى تكتمل صورة الظاهرة من زوايا متعددة المنهج والمصدر
وخلاصة القول: إن الكفاءة الاجتماعية الانفعالية لدى الأطفال العرب لا تتشكل في فراغ فردي، بل تنسجها الخلفية الثقافية والسياق المؤسسي بعمق، وهو ما يجعل التدخلات المحلية الحساسة للثقافة شرطًا لأي جهد تربوي جاد في هذا الميدان








