تمهيد
يتزايد استخدام تطبيق تيك توك بوتيرة سريعة حول العالم، إذ تحولت مقاطع الفيديو القصيرة إلى مادة يومية للترفيه والتواصل واستهلاك المعلومات لدى شرائح واسعة من البالغين والشباب، غير أن هذا الانتشار الواسع يثير أسئلة متصاعدة حول آثار الاستخدام المكثف والمفرط في الصحة النفسية، خاصة حين ينزلق الاستخدام إلى نمط إدماني يصعب ضبطه ويزاحم النوم والعمل والعلاقات، ويقصد بإدمان تيك توك الانشغال القهري بالتطبيق وفقدان السيطرة على زمن استخدامه واستمراره رغم آثاره السلبية، وفي المملكة العربية السعودية، حيث ترتفع معدلات استخدام منصات التواصل الاجتماعي، تأتي هذه الدراسة لتقدر انتشار هذه الظاهرة بين البالغين ولفحص ارتباطها بثلاثة مؤشرات نفسية مركزية هي القلق والاكتئاب وأعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقدير انتشار إدمان تيك توك بين البالغين في المملكة العربية السعودية، وفحص ارتباطه بأعراض القلق والاكتئاب واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وهي دراسة مقطعية استخدمت استبيانًا إلكترونيًا لجمع البيانات الديموغرافية وقياس المتغيرات النفسية بأدوات فحص مقننة منشورة سابقًا، هي: اختبار إدمان تيك توك لقياس الإدمان، ومقياس اضطراب القلق المعمم ذو الفقرات السبع، واستبيان صحة المريض ذو الفقرات التسع للاكتئاب، ومقياس التقرير الذاتي لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين بصورته الخامسة، وحللت الارتباطات بنماذج انحدار لوجستي متعدد المتغيرات مع ضبط المتغيرات المربكة المتمثلة في الجنس والعمر والمستوى التعليمي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، شملت الدراسة ٤١١ بالغًا، كان أغلبهم من الإناث بنسبة ٦٧٫٩٪، وبلغت نسبة خريجي الجامعات بينهم ٧٤٫٤٪، ما يعطي صورة عن التركيبة الديموغرافية للعينة المدروسة
2، بلغ الانتشار الكلي لإدمان تيك توك ١٨٫٥٪ من المشاركين، أي قرابة خُمس البالغين المشمولين، وهي نسبة تستدعي الانتباه الصحي والمجتمعي
3، كان الإدمان أعلى بدلالة إحصائية لدى الفئة العمرية الأصغر سنًا من ١٨ إلى ٢٥ عامًا، إذ بلغت قيمة الدلالة ٠٫٠٠٨، بما يشير إلى هشاشة خاصة لدى البالغين الشباب أمام الاستخدام القهري
4، أظهر إدمان تيك توك ارتباطًا قويًا ودالًا بأعراض القلق والاكتئاب واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه جميعًا، بدلالة إحصائية أقل من ٠٫٠٠١ لكل منها، وذلك بعد ضبط أثر الجنس والعمر والمستوى التعليمي في نماذج الانحدار اللوجستي متعدد المتغيرات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن إدمان تيك توك ظاهرة ملموسة الانتشار بين البالغين، ولا سيما الأصغر سنًا، وأنها تتقاطع مع عبء نفسي مركب يشمل القلق والاكتئاب وأعراض فرط الحركة وتشتت الانتباه، ومع أن التصميم المقطعي لا يسمح بالجزم باتجاه السببية، فإن قوة الارتباط بعد ضبط المتغيرات المربكة تبرر التوصية برفع الوعي بالاستخدام الصحي والآمن لوسائل التواصل الاجتماعي، وتضمين مهارات إدارة الوقت الرقمي في برامج التثقيف الصحي الجامعي والمجتمعي، وتفيد الدراسة الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس والصحة العامة بوصفها نموذجًا لدراسات الانتشار والارتباط في البيئة السعودية، وتهيئ الأرضية لدراسات طولية وتدخلية لاحقة تفحص آليات العلاقة بين الاستخدام القهري للمنصات والأعراض النفسية وسبل الوقاية منها
وتتسق هذه النتائج مع أدبيات متنامية حول الاستخدام القهري لمنصات الفيديو القصير، التي تصمم خوارزميات توصيتها والتمرير اللانهائي فيها بما يطيل زمن المشاهدة ويصعب على المستخدم الانفصال عنها في الوقت المناسب، ويثير هذا التصميم أسئلة وجيهة حول مسؤولية المنصات ذاتها إلى جانب مسؤولية المستخدم الفرد، وحول جدوى أدوات الضبط الذاتي كتنبيهات زمن الاستخدام وفترات الراحة القسرية وملخصات المشاهدة اليومية، أما في السياق السعودي والعربي عمومًا، حيث يقضي الشباب أوقاتًا طويلة على المنصات الرقمية المتنوعة، فتبرز الحاجة إلى دراسات وطنية مماثلة بعينات ممثلة أوسع نطاقًا، وإلى برامج توعية جامعية ومجتمعية تبني مهارات الوعي الرقمي والانضباط الذاتي في الاستخدام دون وصم أو تهويل أو حظر غير واقعي
وخلاصة القول إن إدمان تيك توك منتشر بين البالغين في السعودية بنسبة تستحق الرصد والتدخل، ويرتبط بقوة بأعراض القلق والاكتئاب وفرط الحركة وتشتت الانتباه، وإن التوعية بالاستخدام الرقمي الرشيد، خاصة لدى الشباب، خطوة وقائية أولى نحو بيئة رقمية أكثر أمانًا للصحة النفسية








