تمهيد
أدى تصعيد النزاع المسلح الروسي الأوكراني عام ٢٠٢٢ إلى أزمة إنسانية واسعة، إذ رافقت الهجرة القسرية صدمات نفسية وانفصالًا أسريًا وتحديات معقدة واجهت النساء بوجه خاص في رحلات الانتقال والإقامة الجديدة، ولا تقتصر تجربة اللجوء على البعد القانوني والإجرائي، بل تمتد إلى سؤال الهوية والانتماء: كيف تعيد اللاجئة بناء موقعها في مجتمع جديد، وكيف تتحول من متلقية سلبية للحماية إلى فاعلة مشاركة في الحياة العامة؟ يقصد بتشكل المواطنة في هذا السياق العملية الديناميكية التي تنخرط بها اللاجئة في مؤسسات المجتمع المضيف وحقوقه وواجباته، بينما تعني المرونة النفسية قدرتها على التكيف الإيجابي واستعادة التوازن رغم الشدائد، تتناول هذه الدراسة هاتين العمليتين متلازمتين في تجربة لاجئات أوكرانيات في النرويج
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم ظواهر اجتماعية معقدة عبر فحص مفصل لكيفية تنقل اللاجئات الأوكرانيات في النرويج عبر مسارات تشكل المواطنة، وكيفية تطويرهن استراتيجيات المرونة أثناء وجودهن في مرحلة انتقالية، واعتمدت منهج دراسة الحالة الجماعية، فجمعت سرديات ست لاجئات أوكرانيات مقيمات في النرويج، وقد جُمعت هذه السرديات في إطار العلاج بالتعرض السردي بوصفه جزءًا من المنهج العلاجي المرافق، ثم خضعت البيانات للتحليل السردي والتحليل الموضوعاتي، وفُسرت النتائج في ضوء الإطارين النظريين للمواطنة والمرونة، بما يتيح قراءة عميقة للتجربة الفردية داخل سياقها المؤسسي والاجتماعي الأوسع
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت الدراسة أن المواطنة عملية ديناميكية متعددة الأبعاد، لا حالة قانونية ثابتة، تتسم بالتفاعل الاستراتيجي مع مؤسسات المجتمع المضيف وإعادة بناء الهوية والمرونة التكيفية المستمرة
2، أظهرت المشاركات قدرة لافتة على تحويل وضع اللجوء من تصنيف سلبي يُفرض عليهن إلى عملية انتماء فاعلة يشاركن في صنعها وتوجيهها
3، برزت آليات رئيسة في هذا التحول، منها توظيف الهويات المهنية السابقة، والاستناد إلى تجارب الأمومة، وتطوير استراتيجيات تكيف انفعالي مع خسارات الانتقال وغموضه
4، أكدت النتائج التفاعل المعقد بين الفاعلية الفردية للاجئات والدعم المؤسسي المقدم لهن، فلا تنفصل المرونة الشخصية عن جودة البيئة المؤسسية المستقبلة وسياساتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة رؤى متعددة الأبعاد في تجارب الهجرة القسرية، وتتحدى الفهم التقليدي للمواطنة بوصفها وضعًا قانونيًا يمنح مرة واحدة، مؤكدة أن المرونة عملية متواصلة مشروطة بالسياق وقائمة على التفاوض والتكيف الدائمين، وعلى الصعيد التطبيقي، تفيد النتائج مصممي برامج الاستقبال والاندماج بضرورة الاعتراف بخبرات اللاجئات المهنية والأسرية وتوظيفها موارد للاندماج لا أعباء عليه، وبناء دعم مؤسسي يراعي الصدمة ويعزز الفاعلية، وتمس الدراسة اهتمام الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم اجتماع الهجرة وعلم النفس الاجتماعي، إذ تتقاطع أسئلتها مع تجارب اللجوء والنزوح في المنطقة العربية، وتقدم نموذجًا للمنهجية السردية في دراسة التجارب الإنسانية المعقدة
وتثير الدراسة أسئلة أوسع حول سياسات الاندماج في الدول المستقبلة للاجئين؛ فحين تعامل المؤسسات اللاجئة بوصفها صاحبة خبرة وفاعلية لا مجرد حالة إنسانية مستحقة للعون، تتسارع مسارات الانتماء وتتراجع مشاعر العزلة والاغتراب والانتظار السلبي، كما تبرز الدراسة قيمة السرد بوصفه أداة بحث وعلاج في آن واحد؛ فحكاية اللاجئة تجربتها بلسانها تعيد إليها ملكية قصتها وتمنح الباحث نافذة على المعاني الذاتية التي تعجز عنها الاستبيانات المغلقة الجاهزة، ويمكن للباحثين في المنطقة العربية، حيث تستضيف دول عدة موجات لجوء ونزوح ممتدة، الإفادة من هذا المدخل السردي في توثيق تجارب اللاجئات والنازحات وفهم استراتيجيات صمودهن في سياقات ثقافية ولغوية مختلفة، مع عناية خاصة بالأطر الأخلاقية الواجبة لحماية المشاركات المستضعفات وصون كرامتهن وخصوصيتهن
وخلاصة القول إن تجربة اللاجئات الأوكرانيات في النرويج تبين أن المواطنة تُبنى ولا تُمنح فحسب، وأن المرونة النفسية والاجتماعية تنمو حين تلتقي فاعلية الفرد ببيئة مؤسسية داعمة، فتتحول محنة اللجوء القاسية إلى مسار لإعادة بناء الهوية والانتماء في المجتمع الجديد








