تمهيد
تتزايد الدراسات المهتمة بالأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، بينما يقل الاهتمام نسبيًا بأسرهم، ولا سيما الأمهات اللاتي يمثلن الركيزة الأولى في رعاية طفل يعاني قصورًا في التواصل الاجتماعي، وهو ما ينعكس بالضرورة على رفاههن النفسي. وفي سياق سعودي، سعت دراسة منشورة في مجلة Behavioral Sciences إلى الكشف عن إمكانية التنبؤ بالرفاه النفسي لأمهات أطفال اضطراب طيف التوحد من خلال استراتيجيات مواجهة الضغوط ورأس المال النفسي.
أولًا: متغيرات الدراسة
1. استراتيجيات مواجهة الضغوط: وتشمل في هذه الدراسة خمس استراتيجيات هي: حل المشكلات، والتجنب، وطلب الدعم الاجتماعي، وإعادة التقييم، والندم.
2. رأس المال النفسي: مفهوم إيجابي مركب يضم أربعة مكونات: الكفاءة الذاتية، والتفاؤل، والأمل، والمرونة النفسية.
3. الرفاه النفسي: حالة إيجابية تعكس رضا الفرد عن ذاته وحياته وقدرته على الأداء النفسي والاجتماعي السليم.
ثانيًا: منهجية الدراسة وعينتها
اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التنبؤي، وطبقت مقاييس استراتيجيات المواجهة ورأس المال النفسي والرفاه النفسي على عينة قوامها 248 أمًا من أمهات أطفال اضطراب طيف التوحد في المملكة العربية السعودية، مع مقارنة الفروق بين الأمهات العاملات وربات البيوت.
ثالثًا: أبرز نتائج الدراسة
1. وجود فروق دالة إحصائيًا بين الأمهات العاملات وربات البيوت في استراتيجية حل المشكلات (ت = 3.162، عند مستوى دلالة أقل من 0.002).
2. ظهور فروق دالة في التجنب والمواجهة الإيجابية عمومًا لصالح فئة دون أخرى بحسب الحالة الوظيفية للأم.
3. وجود فروق دالة بين المجموعتين في الكفاءة الذاتية (ت = 3.667) والمرونة النفسية (ت = 3.338) ورأس المال النفسي ككل (ت = 2.866) والرفاه النفسي (ت = 2.549).
4. عدم وجود فروق دالة بين المجموعتين في طلب الدعم الاجتماعي، وإعادة تقييم المشكلات، والندم، والمواجهة السلبية.
5. إمكانية التنبؤ بالرفاه النفسي للأمهات من خلال متغيرات استراتيجيات المواجهة ورأس المال النفسي، بما يجعل هذه المتغيرات مداخل عملية لبناء برامج الدعم.
رابعًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج أن دعم أمهات أطفال التوحد ليس ترفًا مؤسسيًا بل ضرورة نفسية وأسرية؛ فتنمية رأس المال النفسي لدى الأم، وتدريبها على استراتيجيات المواجهة الإيجابية كحل المشكلات وإعادة التقييم، ينعكسان مباشرة على رفاهها النفسي، ومن ثم على جودة رعايتها لطفلها واستقرار أسرتها. وتوصي الدراسة ضمنيًا ببرامج إرشادية موجهة للأمهات تراعي الفروق المرتبطة بالحالة الوظيفية، وبمزيد من الدراسات التنبؤية في البيئة السعودية والعربية عمومًا، لسد الفجوة البحثية في مجال أسر ذوي اضطراب طيف التوحد.
وفي السياق السعودي تحديدًا، تكتسب هذه النتائج أهمية مضاعفة مع توسع منظومة خدمات التربية الخاصة ومراكز رعاية ذوي اضطراب طيف التوحد في مختلف مناطق المملكة؛ إذ يمكن لمراكز التأهيل والجمعيات الأهلية المعنية بأسر التوحد أن تستثمر هذه النتائج في تصميم برامج دعم نفسي واجتماعي موجهة للأمهات، تشمل جلسات إرشاد جماعي، وورش تدريب على إدارة الضغوط، وأنشطة تبادل خبرات بين الأمهات أنفسهن، بما يعزز رأس المال النفسي الجماعي لهذه الفئة ويخفف أعباء الرعاية اليومية.
خامسًا: المواجهة الإيجابية والسلبية في ضوء النتائج
يميز الأدب النفسي بين المواجهة الإيجابية التي تشمل حل المشكلات وإعادة التقييم وطلب الدعم، والمواجهة السلبية التي تشمل التجنب والانغماس في الندم؛ وقد أظهرت النتائج أن الفروق بين الأمهات العاملات وربات البيوت ظهرت بوضوح في الجانب الإيجابي من المواجهة، بينما لم تظهر في جانبها السلبي، وهو ما يوحي بأن الخبرة المهنية والانخراط الاجتماعي للأم العاملة قد يصقلان مهاراتها في التعامل الفعال مع الضغوط دون أن يغيرا بالضرورة أنماط التجنب لديها. وتفتح هذه الملاحظة الدقيقة بابًا لدراسات لاحقة تتعمق في العوامل المهنية والاجتماعية المؤثرة في أساليب مواجهة أسر ذوي الاحتياجات الخاصة.
وخلاصة القول هو المدخل الأقصر والأعمق أثرًا لتحسين حياة الطفل والأسرة معًا.








