القيم الأخلاقية بين الأصوليين وفلاسفة الأخلاق

عبد العزيز سيد هاشم القاهرة دار العلــوم الفلسفة الإسلامية دكتوراه 2009

ملخص الدراسة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آلة وصحبه أجمعين، وبعد.

فلعل من الحقائق التي لا يكاد ينكرها عاقل أن للأخلاق أهمية كبيرة بالنسبة للفرد وللمجتمع على السواء؛ وذلك لما لها من أثر عظيم في تهذيب الفرد، وإصلاح المجتمع، وتنظيم العلاقات بين أفراده، والتنسيق بين رغباتهم، وإقامة العلاقات بينهم على أسس من التعاون والمحبة والعدل والإيثار. وبدون الأخلاق تتعارض الرغبات، ويقع الصدام، ويتفتت المجتمع.

ومن ثم كانت الأخلاق هدفًا رئيسيًّا لجميع الرسالات السماوية، وجاء الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، فأعلن أنه بُعِثَ ليكمل ما بدأه إخوانُه- الأنبياء السابقون – من بناء صرح الأخلاق، فقال: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). وهذا يرجع إلى علم الله تعالى بحاجة البشرية – على امتداد تاريخها- إلى الأخلاق القائمة على أساس من الدين والإيمان.

وإذا كانت البشرية في حاجة إلى الأخلاق في كل العصور فإن حاجتها إليها أشد في هذا العصر الذي تسلَّطت عليه الأفكار المادية، وطغت عليه المذاهب النفعية التي جعلت المنفعة والقيم المادية تغطى على عقول الناس؛ ومن هنا كان الواجب - في تقديري – أن تحظى الأخلاق باهتمام الباحثين والدراسين؛ ومن هذا المنطلق رأيت أن أشارك بجهدي المتواضع في هذا المجال، فاخترت موضوع" "القيم الأخلاقية بين الأصوليين وفلاسفة الأخلاق" "لهذه الدراسة، لأتقدم به إلى قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة، لنيل درجة الدكتوراه.

أسباب اختيار الموضوع:

لا ريب أن هناك دوافع وأسبابًا دفعتني إلى اختيار هذا موضوع للبحث، ومن أهم هذه الأسباب ما يلي:

1- ما أشرت إليه – فيما سبق - من أهمية الأخلاق التي تقوم على أساس من الدين والإيمان في تهذيب الفرد وإصلاح المجتمع في العصر الذي طغت عليه النفعية والقيم المادية.

2- الأمر الثاني الذي يكشف عن قيمة الرسالة أنها عالجت الموضوع من خلال قطبين كبيرين في فلك الفكر الإسلامي. وذلك في وقت انشغل فيه بعض الباحثين بآراء دخيلة استحوذت على اهتمامهم واستأثرت بجهودهم وبحوثهم ودرساتهم، فتركوا ما في تراثنا من نظرات صائبة في مجال الأخلاق. ومن ثم فقد حاولت أن أزيل غبار النسيان عن هذا الجانب في فكرنا الأخلاقي، وخاصة لدى الأصوليين. فرحت أنقب وأبحث في مؤلفاتهم وتراثهم من أجل أن أقدم آراءهم الأخلاقية في هذه الرسالة محاولا أن أفتح قلبي وعقلي لكل جديد مستفيدًا من معارف الغرب في توضيح فكرة أو توضيح رأي أو إضافة جديد محاولا الجمع بين الأصالة والمعاصرة ومحاولا الاعتماد على التراث والاقتباس من الفكر المعاصر.

وهنا أنتهز الفرصة لأؤكد على أن تراثنا له أهمية كبيرة وقيمة عظيمة لم يزدها تقادم العهد إلا أهمية ونفاسة، فرغم مضي العديد من القرون ما زال الكثير من معالم هذا التراث وقيمه تنبض بها حياتنا ويتطلبها عصرنا. ومن هنا فإن هذا التراث الإسلامي بعامة جدير بالاعتزاز وبالاهتمام بدراسته وتمحيصه والاستفادة من كنوزه وذخائره.

إن تراثنا غالٍ وثمين، ولكن فيه الحق والصواب وفيه الباطل والخطأ، فيه الغث وفيه الثمين، فلا ينبغي أن يرفض جملة كما لا ينبغي أن يقبل برمته، وإنما يؤخذ منه ويرد، يؤخذ منه خير ما فيه وأجوده، ويرد منه الغث والرديء.

وعلينا ونحن نعمل من أجل تحقيق نوع من التقدم العلمي لتحسين مستوانا المادي علينا في الوقت نفسه أن نسعى لتجديد حياتنا الروحية، وذلك بالقيم الدينية والخلقية وترسيخها في النفوس وبعث الضمائر الحية في القلوب؛ لأن التقدم الذي يتخذ من المادة أساسًا وهدفًا وغاية يكون ضارًّا وخطيرًا علينا ما لم يقابله تقدم روحي. فالتقدم الروحي هو السياج والحصن الذي يحمي الأمم من الانحرافات ويقيها شر التفتت والضياع.

3- الجانب الأخلاقي في فكرنا ما زال من أشد الجوانب حاجة إلى اهتمام الدارسين، فهو من أكثر الجوانب خصوبة وأصالة، وأشدها علاقة بحياة المجتمع، والواجب ألا تقتصر دراسة الأخلاق على أعمال الفلاسفة، بل تتعداها إلى كتابات الفقهاء والوعاظ والمتكلمين والصوفية والأدباء.

4- لم يلق هذا الموضوع - مع أهميته ودوره في تأصيل الفلسفة الإسلامية - العنايةَ الجديرة به في مجال البحث الأخلاقي بسبب الانحصار في دائرة بعض الفلاسفة المسلمين التقليديين الذين كثر الاهتمام بهم، وتشعبت حولهم الدراسات والأبحاث؛ حتى راجت أفكارهم واشتهرت أسماؤهم على حساب عدد آخر ممن قبعت آراؤهم في بطون الكتب تنتظر من يمسح عنها غبار النسيان، ومن ثم فالبحث يسهم بجهده المحدود في مسح هذا الغبار عن الفكر الأخلاقي لدى علماء الفقه والأصول.

5- جانب الأخلاق عند الفقهاء والأصوليين في مسيس الحاجة إلى إبرازه باستقراء كتبهم ومؤلفاتهم واستخراج أفكارهم وآرائهم الأخلاقية من بطون هذه الكتب، وهذا ما لم أجده في المكتبة؛ مما دفعني إلى سد هذا الفراغ بهذا الجهد المتواضع.

6- ترك لنا الفقهاء والأصوليون تراثًا ضخمًا ومادة غزيرة عالجوا من خلالها قضايا عديدة؛ منها قضايا الأخلاق، ومن هنا كانت دراسة الجانب الخلقي لديهم لبنة في إرساء فلسفة الإسلام الأصيلة، والتي ندرسها من خلالهم. وبذلك يسهم هذا البحث في تأصيل الفلسفة الأخلاقية والفكر الإسلامي، وفى ذلك رد على من ينكرون الأصالة على الفلسفة الإسلامية وعلى من يزعمون أنه لا توجد فيها دراسات أصيلة في الأخلاق.

منهج الدراسة:

بدأت باختيار موضوع محدد هو" "القيم الأخلاقية بين الأصوليين وفلاسفة الأخلاق" "، ثم قمت بجمع المادة العلمية والأصول الأولى والمعلومات من مصادرها، مع العيش في جو النص لمحاولة فهمه على أفضل نحو ممكن، وقد حاولت مراعاة أصول البحث العلمي – قدر الإمكان- مستخدمًا أساليب النقد والتحليل والاستدلال والاستقراء، ثم الاستنباط والمقارنة للوصول إلى النتائج.

وحرصت على أن تعتمد الدراسة – في أحيان كثيرة - على النصوص الأصلية التي تُستنبَط منها النتائج والأحكام الصحيحة؛ لأن النص في البحث النظري يحل محل التجربة في البحث العلمي – أو هكذا ينبغي أن يكون – وقد التزمت في بحثي بالجمع بين التحقيق، ودقة النظر، وسهولة العرض، ووضوح الأفكار، ويسر العبارات، والاهتمام بالنقد العلمي الذي لا يتأثر بعاطفة أو هوى، ولا يخضع لرأى أحد من السابقين، بل يلتزم بالموضوعية، وينبثق من النصوص الأصلية، مستضيئًا في ذلك بقول القائل:" "من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال، اعرف الحق تعرف أهله" ".

وباختصار كان منهجي في البحث هو المنهج التاريخي الوصفي المقارن.

خطة البحث:

لقد اقتضت دراسةُ الموضوع الذي أعالجه في هذا البحث خطةً تتلاءم مع إطار هذا البحث، وتغطي جوانبه وأبعاده، وقد اشتملت هذه الخطة على: مقدمة، وبابين، وخاتمة.

1- المقدمة:

في المقدمة أشرت إلى أهمية الموضوع، ووضَّحت الأسباب التي دفعتني إلى اختياره، وألقيت الضوء على معالم المنهج الذي اتبعته في الدراسة والبحث، وبيَّنت الخطوط الرئيسية التي تضمنتها الدراسة. ثم جاءت أبواب الرسالة على النحو التالي:

2- الباب الأول: الأخلاق لدى الفلاسفة (مسائل وقضايا):

وفي هذا الباب أحاول أن أضع تصورًا عامًّا للأخلاق عند الفلاسفة المسلمين الذين اعتنوا بالقيم والأخلاق، وكانت لهم جهود بارزة في هذا الميدان العظيم.

وذلك من خلال خمسة فصول أرى أنها تمثل أهم مسائل وقضايا الفلسفة الخلفية التي تعرَّض لها الفلاسفة، وكان لهم فيها رأي واضح، وهي:

(أ) الفصل الأول: طبيعة الأخلاق: ففي بداية الحديث عن الفلسفة الخلقية ينبغي التوقف عند مفهوم الأخلاق لمعرفة طبيعتها وقبولها للتغيير من عدمه، ولذا كان هذا الفصل عن طبيعة الأخلاق، وفيه أتحدث عن مفهوم القيم والأخلاق، وتعريفها باعتبارها صفات نفسيةً وقيمًا ومبادئ تحكم السلوك الإنساني، وكذلك باعتبارها عِلْمًا يَدْرِس هذه القيم والمبادئ والأصول والنظريات، ويبحث في القواعد والأسس النظرية العامة لضبط السلوك حتى تُكتسب القيمة الخلقية.

والحديث عن مفهوم الأخلاق يستلزم منا التوقف عند مسألة مهمة، وهي طبيعة الأخلاق من حيث قبولها للتغيير أو عدم قبولها له، وهل هي فطرية أم اكتسابية؟.

(ب) الفصل الثاني: الفضائل الخلقية: وفي هذا الفصل أتحدث عن الفضائل باعتبارها الثمرة المرجوة من أي دراسة أو فكر يُعنى بالأخلاق، وسوف أحاول في هذا الفصل توضيح مفهوم الفضيلة وأنواعها، وكيفية اكتسابها، مع إبراز رأى الفلاسفة المسلمين في ذلك.

(ج) الفصل الثالث: الإلزام الخُلُقي: والإلزام الخلقي ضرورة لقيام الأخلاق؛ وذلك لِمَا له من سلطة تفرض نفسها على الفرد والمجتمع، وتضمن تنفيذ مبادئ الأخلاق. ومن ثم فقضية الإلزام من أهم قضايا الأخلاق، حيث لا يتصور وجود أخلاق بلا التزام. وقد اهتمت معظم النظريات الأخلاقية بتحديد المصدر الذي يُلزم الإنسان بعمل الخير والواجب، ويدفعه إلى الالتزام بذلك، ومع تخصيص هذه الدراسة للحديث عن الأخلاق الإسلامية فقد رأيت أن أشير إلى مصدر الإلزام في الثقافات والفلسفات المختلفة لتتضح الصورة.

وسأحاول في هذا الفصل أن أعطي فكرة عن مبدأ الإلزام الخلقي، من خلال توضيح حقيقته ومفهومه وأهميته وضرورته، ثم ألقي الضوء حول مصادر الإلزام الخلقي في المذاهب الفلسفية المختلفة، ثم أذكر مصدر الإلزام الخلقي في الإسلام.

(د) الفصل الرابع: المعيار الأخلاقي: فمن الضروري أن يكون هناك ميزان ثابت توزن به القيم، فيمكن به التمييز بين الحسن والقبيح، وبين الفضيلة والرذيلة، ويُعْرَف على أساسه الخير والشر والصواب والخطأ في تصرفات الناس وسلوكهم، ونُمَيِّز من خلاله بين السلوك الأخلاقي وغير الأخلاقي، ونُقَيِّم به الأخلاق بصورة عامة.

وكما أن الناس يحتكمون في مجال الأشياء المادية إلى ميزان أو معيار ثابت لا يختلفون عليه في تقويم الماديات، فكذلك ينبغي أن يحتكموا في مجال القيم والأخلاق إلى معيار ثابت لا يختلفون عليه في تقييم المعنويات والأفعال؛ وهذا الفصل يُعنى بدراسة قضية المعيار الأخلاقي، وذلك من خلال توضيح اتجاهات الفلاسفة في تحديد المعيار الأخلاقي، ثم الحديث عن المعيار الأخلاقي في الفكر الإسلامي.

(هـ) الفصل الخامس: الغاية العليا للأخلاق: فللغاية دور مهم في التفكير الأخلاقي، فهي فكرة متأصلة في أفعال الإنسان وتصرفاته، وهي محور ترتكز عليه النظرية الخلقية التي تضع لنفسها هدفًا أسمى ليصل الإنسان إليه، ويتخذ من الوسائل ما يُبَلِّغُه هذا الهدف، بل إنه لا يُعتد بالقوانين الأخلاقية إلا من حيث غاياتها.

وقبل تناول قضية الغاية العليا للأخلاق أتساءل: هل الأخلاق وسيلة أم أنها غاية؟ وللإجابة عن هذا السؤال أتناول مسألة الأخلاق بين الغاية والوسيلة.

والواقع أن مذاهب أخلاقية عديدة ذهبت إلى أن للأخلاق غايةً عليا تتطلع إليها وينشدها الإنسان، ومن ثم كان التساؤل حول ماهية هذه الغاية: هل هي اللذة، أم المنفعة، أم السعادة؟

ومن ثم فسوف أشير بإيجاز إلى أهم المذاهب الفلسفية في هذا الموضوع، ثم أتبع ذلك ببيان رأي فلاسفة الإسلام ومفكريه في الغاية العليا للأخلاق.

3- الباب الثاني: الأخلاق لدى علماء أصول الفقه:

وفي هذا الباب أتناول قضايا علم الأصول من منظور أخلاقي، وفي حديثي عن الأخلاق لدى الأصوليين لا أحاول أن أجعل ما قرَّره الأصوليون نسخة مما قاله فلاسفة الأخلاق، وإنما أدرس الأخلاق لدى الأصوليين كما هي عندهم دون التأثر بمناهج فكرية معينة، أو بأنماط من الموضوعات والقضايا الفلسفية المعروفة في علم الأخلاق.

وإنه لمن الموضوعية والإنصاف أن نذكر ما قاله الأصوليون كما ذكروه، فلا نُنطق النصوص بما لا تحمله، ولا نُلبس عباءة الفلاسفة للأصوليين. ولا غضاضة في ذلك؛ فإن المنهج الأرسطي والغربي الذي تدور في فلكه كثير من الدراسات الأخلاقية ليس بقانون ملزم؛ بحيث ما كان خارجًا عنه لا يعد من الفلسفة الخلقية.

وقد اشتمل هذا الباب على تمهيد وأربعة فصول، وذلك كما يلي:

(أ) تمهيد: تعريف بأصول الفقه: وهذا التمهيد بمثابة مدخل لدراسة الأخلاق عند الأصوليين، وغرضي منه أن أعطي القارئ فكرة عامة وموجزة عن بعض مباحث هذا العلم كتعريف أصول الفقه، ونشأته، وتطور الكتابة فيه، وموضوعه، وفائدته، وغير ذلك مما يتعلق بمقدمة العلم. وذلك قبل أن ننطلق في دراستنا للأخلاق عند الأصوليين من خلال أربعة فصول، هي:

(ب) الفصل الأول: فلسفة الأخلاق لدى الأصوليين: وفي هذا الفصل أتناول بعض مسائل وقضايا علم الأخلاق لدى علماء أصول الفقه، محاولا توضيح آرائهم في هذه الموضوعات.

وقد جاء هذا الفصل في أربعة مباحث، هي: مصدر الإلزام عند الأصوليين، والمعيار عند الأصوليين، ودرجات الفعل الخلقي، والمسئولية والتكليف.

(ج) الفصل الثاني: القواعد الفقهية ودلالاتها الأخلاقية: وهذا الفصل يعنى بدراسة الدلالات الأخلاقية للقواعد الفقهية، ومع اختلاف أغلب الفقهاء والأصوليين في حصر القواعد الفقهية في عدد معين وصيغة معينة، فقد اتفقوا على خمس قواعد عامة وأساسية.

وسأحاول دراسة هذه القواعد الخمس الكبرى، وما يتفرع عنها من قواعد كلية.

وفي تناول هذه القواعد سوف أشير بإيجاز واختصار إلى أصل القاعدة، ودليلها، ومعناها اللغوي والشرعي، وما تدل عليه بصفة عامة، ثم أتوقف وقفة مسهبة مع الدلائل الخلقية لهذه القواعد.

وفي مباحث هذا الفصل سأتناول ثلاث قواعد، هي: قاعدة" "الأمور بمقاصدها" "، وقاعدة" "اليقين لا يزول بالشك" "، وقاعدة" "العادة محكمة" ".

(د) الفصل الثالث: التيسير وإزالة الضرر: وفي هذا الفصل أتحدث عن مبدأ التيسير ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية. وذلك من خلال قاعدتي" "المشقة تجلب التيسير" "، و" "الضرر يزال" ".

ويشمل الحديث فيها الكلام عن معنى القاعدة وأصلها والاستدلال عليها، وما يتعلق بذلك من الحديث عن المشقة وأنواعها وضوابطها، ومظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية، وقواعد إزالة الضرر، والقواعد الفرعية الأخرى المندرجة تحت هاتين القاعدتين.

مع ذكر بعض المعالم والتطبيقات الأخلاقية التي برز فيها مبدأ اليسر وإزالة الضرر واضحًا وجليًّا بشيء من الإيجاز.

(هـ) الفصل الرابع: رعاية المصالح والمقاصد: وأحاول في هذا الفصل أن أوضح أن الشريعة الإسلامية تهدف إلى مقصد عظيم، ألا وهو تحقيق مصالح الناس ورعايتها.

ويدل استقراء نصوص الشرع على تحقيق المصالح الضرورية، والتي تتمثل في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي مقاصد عظيمة، وقيم أخلاقية رفيعة، لها دورها في تحقيق سعادة الإنسان في دنياه وآخرته.

وقد جاء هذا الفصل حول مقاصد الشريعة في سبعة مباحث: المبحث الأول حول تعريف مقاصد الشريعة. والمبحث الثاني عن المقصد العام للشريعة، وهو رعاية المصالح، وفيه أتناول ما يتعلق بموضوع رعاية المقاصد باعتبارها مقصدًا أساسيًّا من مقاصد الشريعة الإسلامية، محاولا التأكيد على أن الشارع سبحانه لا يأمرُ إلا بما فيه مصلحة، ثم أشير إلى مقاصد العبادات والمعاملات، وأتكلم عن أنواع المصالح، وشروط المصلحة المعتبرة، وتقسيمها إلى: مصالح ضرورية، ومصالح حاجية، ومصالح تحسينية.

والمباحث من الثالث إلى السابع يتناول كل واحد منها مقصدًا من المقاصد الضرورية التي عني بها الشرع، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.

وأؤكد على أن تلك المقاصد هي قيم خلقية عظيمة تبرز الوجه الحضاري لشريعتنا، وهذه المنظومة الخلقية التي قررها علماء أصول الفقه هي السبيل إلى سعادة الإنسان وخلاصه من الشقاء والحيرة التي جلبتها له المذاهب المادية والنفعية.

4- الخاتمة:

وذكرت في الخاتمة أهم ما توصلت إليه، مشيرًا إلى النقاط التي تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة.

ولعلى بعد هذا العرض أستطيع أن أقرر أني قد سعيت إلى تناول أصول الأخلاق ودعائمها، ومعالجة أفكارها وقضاياها بمنهج يعتمد على الكتاب والسنة وأقوال السلف وأفعالهم، ويستمد من التراث الإسلامي ويستفيد - قليلاً- من الفلسفة اليونانية، وهذا يسمح لي أن أؤكد أصالة الفكر الأخلاقي عند المسلمين.

وقد حاولت أن أراعي الإيجاز والإيضاح، والاقتصار على ما تمس إليه الحاجة، ولا يخفى على القارئ أني قد خضت في بطون كتب الفلاسفة المسلمين وعلماء أصول الفقه، وكان البحث وَعِرًا، وقد بذلك فيه من الجهد ما الله به عليم.

فما كان صوابًا فبفضل الله وتوفيقه، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله، ورحم الله من أهدى إلي عيوبي.

وإني إذ أقدم هذا الجهد المتواضع راجياً أن يتقبله الله سبحانه وأن ينفع به، وأن يتجاوز عما قد يكون فيه من عيب أو ذلل، وأن يرشدني إلى الحق، ويعصمني من شر نفسي، كما أسأله أن يجعل عملي خالصًا لوجهه وابتغاء مرضاته، فهذا مرادي وقصدي، وعلى الله قصد السبيل

]ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير[

 

والحمد لله رب العالمين.


انشء في: أحد 16 يوليو 2017 15:17
Category:
مشاركة عبر