الاعتبارات السياسية في مجلس الأمن وأثرها على المحكمة الجنائية الدولية

أحمد أبو الوفا القاهرة الحقوق القانون الدولي العام ماجستير 2009

ملخص الدراسة:

لقد شهد العالم في القرن الماضي أفظع الجرائم في تاريخ الإنسانية، من خلال نشوب حربين عالميتين أبادت وشردت الملايين من البشر.

      وحتى لا تتكرر مثل هذه المآسي، فقد أخذت الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على عاتقها زمام الأمور في عدم تكرارها، وذلك من خلال الاتفاق على إنشاء منظمة دولية تأخذ على عاتقها مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين، وقد تحقق ذلك في سان فرانسيسكو عام 1945 بإقرار ميثاق الأمم المتحدة.

      وعلى الرغم من أن هذه المنظمة قد أسست على مبادئ المساواة في السيادة بين الدول، وعدم التدخل في شئونها، وعدم استخدام القوة في حل المنازعات الدولية، إلا أنها تضمنت نصوصًا في ميثاقها أفرغت هذه المبادئ من مضمونها وجعلت منها مجرد حروف ميتة تزينت بها نصوص الميثاق، وذلك عندما منحت دولا محددة اسما حق العضوية الدائمة، مع امتلاكها حق النقض ""الفيتو"" بعد أن تعهدت وأخذت على عاتقها مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين، مؤسسة ذلك على قوتها أولاً، وعلى تحالفها فيما بينها ثانيًا.

      غير أن ما تنطقه الأفواه تكذبه الأفعال، إذ بمجرد دخول الميثاق حيز التنفيذ ومباشرة المنظمة لأعمالةا انقلب هذا التحالف إلى اختلاف بين أكبر قوتين في المنظمة آنذاك ""الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد السوفيتي"" بسبب رغبة كل منهما في فرض الأيديولوجية الخاصة به والتي تخدم مصالحه على المجتمع الدولي، وذلك فيما عرف باسم ""الحرب الباردة"" وما نجم عنها من إضعاف لوظيفة مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن الدوليين من مضمونها إلى حد أن حلت الجمعية العامة محله فيها في العديد من النزعات بسبب الإساءة في استخدام حق النقض.

      وقد تزايد هذا الوضع خطورة بعد نهاية الحرب البادرة وسيطرت القطب الواحد – ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية – على المنظمة عموماً وعلى مجلس الأمن خصوصًا، وما نجم عن ذلك من تسخير مجلس الأمن واستعمالة كأداة لتنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية، ومحاولة استغلاله كوسيلة لإضفاء المشروعية على ما تتخذه الإدارة الأمريكية من تصرفات، ودفعها له لاتخاذ جملة من القرارات المشكوك في اتفاقها مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي العام، وتأتي في مقدمتها القرارات: 731، 748 لسنة 1992 حول النزاع المتعلق بقضية لوكربي.

      وأمام هذا الوضع الخطر، وأمام عجز المنظمة عن حل العديد من الأزمات فقد اندلعت في العالم العديد من النزاعات المسلحة، نجم عنها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وارتكاب أفظع الجرائم ضد الإنسانية أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي، وما أحداث يوغسلافيا سابقًا ورواندا وكوسوفو، وما حدث في فلسطين ولا زال يحدث لأكبر دليل على ذلك.

      هذه المآسي والأوضاع الخطيرة وما تبعها من استهتار بالشرعية الدولية، جعل الحاجة ملحة إلى وضع هذه الانتهاكات الجسيمة تحت سلطة قضاء دولي فاعل ومستقل، يتعامل مع كل القضايا بمعيار واحد، وليس على أسس واعتبارات سياسية، فقد حالت السياسة وصراع المصالح واختلال موازين القوى دون التزام فعلي بتطبيق قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ومن هنا جاءت الضرورة ملحة لإنشاء محكمة جنائية دولية مستقلة تأخذ على عاتقها تحقيق العدل والإنصاف وتطبيق العقوبة على مرتكبي أشد الجرائم خطورة.

      والواقع أن إنشاء محكمة جنائية دولية لم يكن بالفكرة الجديدة أو المستحدثة، وإنما هو حلم راود المجتمع الدولي منذ القدم، ويكفي هنا أن نشير إلى أن بوادر إنشاء هذه المحكمة بدأت منذ أكثر من قرن من الزمن، عندما قامت عصبة الأمم بأولى المحاولات لإنشاء قضاء جنائي دولي خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى، وهكذا نصت المادة 227 من معاهدة صلح فرساي على إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة إمبراطور ألمانيا السابق ""غليوم الثاني"" بيد أن رفض تسلميه من قبل هولندا قد حال دون خروج هذه المحكمة إلى حيز الوجود().

      وبانتهاء الحرب العالمية الثانية عادت فكرة إنشاء قضاء جنائي دولي بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب من الدول المهزومة في الحرب ""دول المحور"" على الواجهة من جديد، بل واتخذت بعدًا آخر عندما اتفق الحلفاء على ضرورة معاقبة مجرمي الحرب الألمان واليابانيين، فتم إنشاء محكمة نورمبرج لمحاكمة القادة الألمان، ومحكمة طوكيو لمحاكمة القادة اليابانيين().

      أما الخطوة المهمة التي خطاها المجتمع الدولي في هذا الصدد فقد تمثلت في إقامة القضاء الجنائي الدولي المؤقت عن طريق إنشاء محاكم جنائية دولية خاصة بموجب قرارات صادرة عن مجلس الأمن، وقد كان ذلك نتيجة للأوضاع المأساوية وللانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان في كل من يوغسلافيا السابقة ورواندا"".

      غير أنه وبالنظر إلى أن اختصاص المحاكم السابقة ""نورمبرج، طوكيو، يوغوسلافيا، رواندا"" كان مقصورًا على جرائم ارتكبت أثناء حروب معينة، فلم يكن لهذه المحاكم اختصاص شامل للجرائم الدولية أيًا كان مكان ارتكابها، كما أنها كانت زمنيًا محصورة بمدة زمنية محددة، فقد اتجهت الجهود الدولية إلى إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة تتولى المحاكمة عن أخطر وأبشع الجرائم الدولية، وقد تم التوصل بعد جهود مضنية إلى ذلك عندما تم انعقاد مؤتمر روما في الفترة 14 يونيو – 17 يوليو 1998 برعاية منظمة الأمم المتحدة وبمشاركة وفود 160 دولة والعديد من المنظمات الحكومية وغير الحكومية، وقد انتهى بإقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

      ومن ثم فإن هذه المحكمة ستكون هيئة دائمة مستقلة مخولة بالتحقيق والمفاوضات مع من يرتكب أشد الجرائم خطورة ""الإبادة الجماعية – الجرائم ضد الإنسانية – جرائم الحرب – جريمة العدوان"".

      إن إنشاء هذه المحكمة يعد إنجازًا بارزًا للأسرة الدولية، فإنشاؤها على عكس المحكمتين الخاصتين بيوغسلافيا السابقة ورواندا سيحقق عامل ردع للحيلولة دون ارتكاب جرائم أو مجرد التفكير في ذلك، باعتبار أن المحاكمة ستصبح أمرًا واقعًا بمجرد توافر شروطها، وذلك لوجود جهاز قضائي قائم ومستعد لمباشرة التحقيق في الجرائم، الأمر الذي من شأنه نشر الطمأنينة والأمن بين الناس ومن ثم استتباب الأمن والسلم الدوليين.

      وعلى الرغم من هذا الدور المهم المنوط بالمحكمة فان طريق إنشاؤها لم يكن معبدًا بالورود، وإنما واجهته عقبات كثيرة ومتعددة، لعل أبرزها اعتراض بعض الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبشدة على قيام هذه المحكمة وعلى الدور الذي ستؤديه، مما يضع علامة استفهام كبيرة على هذه الدولة المسيطرة وبشكل انفرادي على مجلس الأمن كقطب أوحد لا منافس له، وعندما أيقنت أن اعتراضها لم يجد نفعًا أمام الرغبة القوية على ولادة هذا الصرح القضائي، أصرت على أن يعطي مجلس الأمن صلاحيات كبيرة في النظام الأساسي للمحكمة بأن يكون هو الجهة الوحيدة المخولة بالإحالة للمحكمة، كما له حق طلب وقف إجراءات التحقيق والمحاكمة إذا اقتضت ضرورات المحافظة على السلم والأمن الدوليين ذلك.

      وأمام الضغوط التي مارستها وخوفًا من أن يؤدي عدم الاستجابة إلى هذه المطالب إلى عدم ظهور ميثاق روما إلى حيز الوجود، فقد اضطرت بقية الدول المجتمعة إلى تضمين النظام الأساسي، بعض الصلاحيات لمجلس الأمن فيما يتعلق بالإحالة إلى المحكمة وطلب وقف إجراءات التحقيق أو المحاكمة، مما آثار تساؤلاً هامًا عن مستقبل هذه المحكمة في ضوء هذه العلاقة، بما يتضمنه من مساس بعدالة المحكمة واستقلالها، ويجعلها عرضة للأهواء السياسية داخل مجلس الأمن، وكذلك لممارسات حق النقض ""الفيتو"" وفقًا لمصالح الدول دائمة العضوية، ويجعل المحكمة الجنائية الدولية في المحصلة الأخيرة بين ضغط السياسة ومطلوبات العدالة.

      وإحساسًا منا بالأهمية البالغة لهذا الموضوع باعتباره يسلط الأضواء على أكثر الهيئات القضائية الدولية أهمية في تاريخ القضاء الجنائي الدولي كأول محكمة جنائية دولية دائمة ومستقلة منشئة بموجب اتفاقية ومكملة للقضاء الوطني، وذلك في إطار علاقتها مع أكثر الأجهزة الدولية ازدواجية وانتقائية للمعايير القانونية، فقد رأينا أن نبحث فيه في ظل الإشكالية التالية:

إشكالية البحث:

      ما مدى تأثير مجلس الأمن ""جهاز سياسي"" على المحكمة الجنائية الدولية ""جهاز قضائي"" أي ما مدى استقلالية المحكمة الجنائية الدولية تجاه مجلس الأمن؟

      فإذا ما علمنا أن هذا الأخير ومن خلال دوره في حفظ السلم والأمن الدوليين في العقود الماضية سيطرت عليه في التعامل بين أعضائه الدائمين، تغليب الاعتبارات السياسية، فان هذه الإشكالية محل البحث ستتجزأ إلى جزأين هما:

      ما أثر الاعتبارات السياسية على مجلس الأمن أولاً؟ ومن ثم ما مدى تأثير ذلك على المحكمة الجنائية الدولية؟

ولذلك فان دراستنا لهاتين الإشكاليتين ستتم من خلال الآتي:

1-   تحديد مفهوم الاعتبارات السياسية المسيطرة على أعمال مجلس الأمن وبيان الأسباب المساعدة لوجودها والآثار المترتبة على طغيانها.

2-   إلى أي مدى يمكن للاعتبارات السياسية المتمكنة في تصرفات مجلس الأمن أن تؤثر على حيدة واستقلال المحكمة الجنائية الدولية؟ وهل تضمن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية نصوصًا تجعل المحكمة تؤدي دورها في ملاحقة ومعاقبة مرتكبي الجرائم المختصة بها وبكل استقلالية؟ وبعبارة أخرى هل النظرة إلى العلاقة بين نشاط المحكمة والمجلس يمكن أن نصل من خلالها إلى منطق التعاون والتكامل بينهما من خلال العمل المشترك من أجل تحقيق السلم والعدالة في آن واحد؟.

أم أن المنطق السياسي المسيطر على أعمال مجلس الأمن هو الذي سيفرض نفسه من خلال ظاهرة توسع اختصاصات مجلس الأمن السياسية ومن ثم تبعية الهيئة القضائية لهذا الجهاز السياسي؟

منهجية البحث:

      تعتمد الدراسة على المنهج التحليلي التأصيلي، وذلك من خلال استعراض النصوص القانونية التي تضمنها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وسبر غور مضامينها مع الاستعانة بالممارسة الدولية لمجلس الأمن من أجل تحديد ماهية الدور الذي من الممكن أن يلعبه في إحالة أي حالة تشكل جريمة تدخل في اختصاص المحكمة أو حقه في طلب وقف إجراءات التحقيق أو المحاكمة أمامها.

الصعوبات:

      إن من أهم الصعوبات التي واجهت الباحث في إعداد هذه الرسالة هي:

1-   قلة المراجع المتخصصة في هذا الموضوع واقتصارها في الغالب الأعم على بعض المقالات فحسب بالنظر إلى حداثة المحكمة الجنائية الدولية.

2-   إن الهدف من هذه الدراسة – كما بينا سابقًا – هو توضيح إلى أي مدى يمكن للاعتبارات السياسية المتمكنة في تصرفات مجلس الأمن أن تؤثر على حيدة واستقلال المحكمة الجنائية الدولية؟ غير أنه وبالنظر إلى حداثة هذه المحكمة فإن ندرة بل انعدام السوابق القضائية لتعامل المحاكمة مع مجلس الأمن سيكون مشكلة حقيقية للباحث لاستخلاص أفضل النتائج.

تقسيم البحث:

      ولاستيفاء ما تقدم قسمت هذه الرسالة إلى ثلاثة فصول يسبقها فصل تمهيدي وكانت على النحو التالي:

      إذ تناولنا في الفصل التمهيدي مفهوم الاعتبارات السياسية ودورها في تصرفات مجلس الأمن.

      أما الفصل الأول فقد تم تخصيصه لإبراز دور مجلس الأمن في تفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

      في حين تناولنا في الفصل الثاني دور مجلس الأمن في تعليق نشاط المحكمة عن طريق طلب وقف إجراءات التحقيق والمحاكمة.

      أما الفصل الثالث فقد تم تخصيصه لممارسات مجلس الأمن تجاه المحكمة الجنائية الدولية بموجب السلطات الممنوحة له وفقًا للنظام الأساسي.

      وقد انتهينا بخلاصة واستنتاجات لِم تم التعرض إليه، فضلاً عن بعض الاقتراحات التي يمكن أن تساعد على حل أهم الإشكالات المطروحة في سبيل الحد من طغيان الاعتبارات السياسية المتحكمة في تصرفات مجلس الأمن وبما يسمح بأن تؤدي الآليات القانونية المعتمدة من طرف النظام الأساسي في تحقيق العدالة الجنائية من ناحية، والحفاظ على السلم والأمن الدوليين من ناحية أخرى


انشء في: خميس 20 يوليو 2017 17:59
Category:
مشاركة عبر