تطور السياسه الامريكيـه فـي الخليـج العربي منذ الانسحاب البريطاني 1971 الي نهايه حرب الخليج الاولي 1988
محمد محمود محمد الطناحي, ,عين شمس, الآداب التاريخ, ماجستير 2002
منذ بضعة عقود خلت ومنطقة الخليج العربى تحظى باهتمام القادة والساسة الغربيين عامة والأمريكيين خاصة لأسباب عديدة ومعروفة ذكرت سابقاً لعل من أبرزها :
1- الموقع المميز الذى تحظى به هذه المنطقة ، وتحكمها فى أهم طرق الملاحة العالمية .
2- احتوائها لكميات ضخمة من البترول – المصدر الأساسى للطاقة – داخل أرضيها ، وتمتعها بمنزلة الريادة البترولية على مستوى العالم إنتاجاً واحتياطاً .
3- قرب المنطقة من الاتحاد السوفيتى – سابقاً – وهو المعروف بعدائه السياسى والاقتصادى والعقائدى للعالم الغربى .
4- قرب المنطقة – أيضاً – من إسرائيل الحليف الأول للولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا .
5- الوفرة النقدية الكبيرة التى تتمتع بها كافة دول المنطقة الناجمة عن عائدات البترول الضخمة جداً ،الأمر الذى جعلها مطمعاً للدول الصناعية الكبرى على مستوى العالم .
6- تمثل منطقة الخليج العربى سوقاً استهلاكيا من الطراز الأول لكافة المنتجات الأمريكية والغربية .
7- ميل أغلب أنظمة الحكم فى هذه المنطقة للارتماء فى أحضان الولايات المتحدة والسير – طواعية وإجبارا – فى قافلة الدول الحليفة والتابعة لها .
8- استيعاب المنطقة لكميات كبيرة من مبيعات السلاح الأمريكى – حسب الرؤية الأمريكية – وصبغ أنظمتها الدفاعية بالصيغة الأمريكية .
كل هذا بالإضافة إلى أسباب كثيرة جداً تم التعرض إليها ـ باستيفاء ـ داخل فصول الدراسة الرئيسية والتمهيد الخاص بها . هذا وقد زادت أهمية هذه المنطقة أكثر وأكثر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية بعد إسدال الستار على أحداث الحرب العالمية الثانية ، التى شهدت تغيراً واضحاً فى السياسة الخارجية الأمريكية تمثل فى تخليها عن مبدأ العزلة الذى فرضه عليها الرئيس جيمس مونرو .
وقد واكب هذا التغير تحول واضح فى وضع ومركز وثقل الولايات المتحدة عالمياً ، حيث أصبحت تمثل الدولة الرائدة بين دول العالم الرأسمالى أجمع ، وذلك لما لها من قوة عسكرية واضحة واقتصاد ضخم تمثل فى وصول حصتها فى حجم الإنتاج الصناعى للعالم الرأسمالى إلى ما يساوى ثلثيه تقريباً .
لذلك لم يبدو مستغرباً تخلى أمريكا عن مبدأ العزلة واكتفائها بالتوسع على المستوى الإقليمي وتحولها إلى التوسع العالمى الذى عبر عنه بكلمة ( الإمبريالية الأمريكية ) ، وشكل مبدأ ترومان الصادر فى عام 1947 والداعى إلى دعم بعض دول أوروبا التطبيق الفعلى الأول لهذه السياسة الجديدة .
واستمرت الولايات المتحدة فى توسيع حجم تطبيق سياستها هذه طيلة عقدى الخمسينات والستينات متوجة أطماعها وأحلامها التوسعية هذه بغزوها الفاشل والمذرى على فيتنام والذى تسبب فى تغيير سياستها الخارجية فى العقد السابع من القرن العشرين ، وما يهمنا هنا هو ايضاح طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج العربى فى الفترة عام 1971 وهو العام الذى شهد خروج بريطانيا من المنطقة بعد قرابة مائة وخمسين من بقائها واستقرارها فيها حتى عام 1988 الذى انتهت فيه الحرب العراقية الإيرانية التى ألهبت المنطقة وزعزت استقرارها طيلة سنوات ثمان اشتعل فيها فتيلها ، وقد شهد عام 1968 اعلان بريطانيا عن نيتها فى الخروج من هذه المنطقة فى فترة لاتتعدى نهاية 1971 وهو الأمر الذى تحقق بالفعل ، ووصف هذا الخروج بأنه انسحاب من المنطقة وذلك لأنه لم يكن بمحض ارادتها ولابفعل رغبتها الحقيقية ، بل أنه نتج عن أزمة اقتصادية كبيرة ومشاكل داخلية عميقة وضغوط دولية مؤثرة أملت فى أن تحل محلها وترث دورها الذى لعبته باقتدار طيلة قرن ونصف قرن تسبب فى استنزاف طاقاتها وقدراتها الضخمة التى جعلتها يوماً توصف بالإمبراطوية التى لاتغيب عنها الشمس .
وبمجرد خروج الإنجليز من منطقة الخليج العربى بدأت الولايات المتحدة فى التسلل رويداً رويداً إليها رافعة شعار ملء الفراغ الأمنى الذى خلفه الإنسحاب البريطانى من المنطقة ، ومنذ هذه اللحظة بدأت الولايات المتحدة فى تطبيق سياسة جديدة تجاه منطقة الخليج العربى تهدف إلى بسط نفوذها على هذه المنطقة ولكن دون أى تورط عسكرى فيها معتمدة فى ذلك كله على القوتين الكبيرتين فى هذه المنطقة – إيران والمملكة العربية السعودية – وهى السياسة التى عرفت باسم مبدأ نيكسون ولكن مع تمييز واضح فى المعاملة تجاه الجانب الإيرانى الذى حظى باهتمام الولايات المتحدة بشكل أكبر من الجانب السعودى ، ولكن هذا المبدأ تعرض لاختبار قاس جداً أثناء حرب السادس من أكتوبر عام 1973 التى شهدت تعاوناً واضحاً بين الجانب المصرى والسورى والجانب الخليجى ممثلاً فى فرض دول الخليج العربية حظراً للنفط على الولايات المتحدة ، وهو الأمر الذى دفع الولايات المتحدة إلى تطوير إستراتيجيتها لتصبح أكثر ديناميكية بهدف إكتساب القدرة على التعامل مع الموقف الجديد الذى تمثل فى رفع أسعار البترول بشكل وصل إلى ثلاثة أضعاف من أجل تأمين وصول البترول الخليجى إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها فى غرب أوروبا بانتظام وبأسعار مناسبة .
واستمرت هذه هى سياسة أمريكا تجاه دول الخليج العربى على الرغم من استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون فى عام 1974 بعد فضيحة ووتر جيت واعتلاء نائبه جيرالد فورد كرسى الرئاسة فى الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك مع وصول جيمى كارتر لنفس المنصب واعتلائه نفس الكرسى ولكن فى السنتين الأولتين من حكمه فقط ، حيث شهدت السنتين الأخيرتين من حكمه تطورات خطيرة عصفت بحكمه – دون شك – تمثلت فى قيام الثورة الاسلامية فى ايران عام 1979 وخسارة الحليف الأمريكى الأول فى منطقة الخليج العربى بسقوط نظام الشاه الذى خدم الأمريكيين كثيراً ، وماصاحب هذه الثورة من تهديد واضح للكبرياء الأمريكى تمثل فى إحتلال الطلبة الإيرانيين للسفارة الأمريكية بطهران واحتجاز أكثر من خمسين رهينة طيلة 444 يوماً ذاقت فيها الولايات المتحدة طعم الذل والهوان بسبب عدم قدرتها على إنقاذ هؤلاء الرهائن ، على الرغم من قيامها بمحاولة عسكرية لانقاذهم فى ابريل 1980 انتهت بفشل ذريع زاد من صعوبة موقف الرئيس كارتر أمام شعبه المجروح .
وفى السنة الأخيرة من حكم كارتر استغل الاتحاد السوفيتى سوء موقف الولايات المتحدة وقام بغزو أفغانستان غزواً عسكريا حشد له الألوف من جنوده ، فى نفس الوقت الذى قدم فيه الرئيس السوفيتى ليونيد بريجنيف مشروعه للسلام فى الخليج الذى لم يقابل برد فعل ايجابى من قبل الولايات المتحدة ، كل هذا دفع الرئيس كارتر للاعلان عن تغييرالسياسةالأمريكية تجاه منطقة الخليج العربى والتى دأبت أمريكا على تطبيقها منذ عهد الرئيس نيكسون ، حيث أقر كارتر فكرة التدخل العسكرى الأمريكى فى الخليج إذا تعرضت المصالح الحيوية الأمريكية فيه للتهديد ، وهو ماعرف بمبدأ كارتر ، وصاحب كل هذا إنشاء الولايات المتحدة لقوات التدخل السريع التى وقفت على أهبة الاستعداد للتدخل العسكرى فى الخليج فى أية لحظة وختمت فترة الرئيس كارتر ختاماً عصيباً باشتعال فتيل الحرب بين العراق وإيران التى استمرت لثمانى سنوات أضعفت قدرات البلدين وأنهكت قدرات باقى دول المنطقة ومهدت للتواجد العسكرى الأمريكى – المبرر- على أرض الخليج العربى وفوق مياهه، وصاحبت هذه الحرب – تقريباً – الفترتين الرئاسيتين لريجان فيما بين عامى 1981 و 1988 ، وتميزت هاتان الفترتان بتناقض واضح فى سياسةأمريكا تجاه المنطقة ، حيث شهدت بداياتهما لامبالة واضحة فى أول الأمر فى التعامل مع الحرب إعتقاداً وظناً من الولايات المتحدة بقصر فترة استمرارها ، ثم عداءً واضحاً تجاه العراق تمثل فى مساعدة إسرائيل وتسهيل مهمتها فى ضرب المفاعل النووى العراقى فى يونيو 1981 ، تبعه ميل أكثر وضوحاً ناحيتها توج بإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين فى نوفمبر 1984 بعد فترة انقطاع دامت من عام 1967 ، فى الوقت الذى كانت فيه الولايات المتحدة تنشد ود ايران فى بداية الحرب بعرض السلاح الأمريكى عليهامقابل الافراج عن الرهائن الأمريكيين المحتجزين لديها وفك الحظر عن الودائع الايرانية المجمدة فى البنوك والمصارف الأمريكية ، ثم انقلاب واضح عليها تمثل فى فرض عقوبات اقتصادية عليها ودعم متواصل لكل قرارات مجلس الأمن الدولى التىتدين إستمرار إيران فى الحرب ضد العراق .
ثم تفاجىء أمريكا العالم بدعم ايران بالسلاح وقطع الغيار العسكرية فى عام 1985 مقابل الافراج عن الرهائن الأمريكيين المحتجزين فى لبنان من قبل حزب الله الموالى لايران وهو ماعرف بفضيحة إيران جيت أو ايران كونترا نسبة إلى جماعة الكونترا المعارضة لنظام الحكم فى نيكاراجوا والتى تم تمويلها بأموال هذه الصفقة مع إيران .
وفى عام 1987 تنال أمريكا مبرراً شرعياً للدخول عسكرياً فى منطقة الخليج والتورط عسكرياً فى النزاع بين العراق وإيران وذلك بإعلانها الموافقة على الطلب الكويتى بإعادة تسجيل ناقلاتها النفطية لديها ورفع الأعلام الأمريكية عليها وتولى مهمة حمايتها ، كل ذلك بدعوى حماية حرية الملاحة فى الممرات المائية الدولية ، وصاحبت هذه العملية – حماية الناقلات – أعمال عسكرية هجومية ودفاعية متبادلة مع القوات الإيرانية استمرت نحو عام واحد تقريباً أو أكثر بقليل رضخت بعده إيران ووافقت على قرار مجلس الأمن الدولى رقم 598 وهو الأمر الذى وصفه الخومينى بأنه يمثل لديه تجرعاً للسم ، وبنهاية هذه الحرب لم تنه أمريكا تواجدها العسكرى فى منطقة الخليج العربى فى إشارة واضحة منها إلى نيتها المبيته فى البقاء لأطول فترة ممكنة فى هذه المنطقة الاستراتيجية فائقة الأهمية ، وهى المسألة التى تأكدت بموقفها من غزو العراق للكويت فى أغسطس 1990 منذ بدايته – وربما قبل ذلك – حتى نهايته.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة