"شرح ابن جابر الأندلسي لألفية ابن مالك دراسة تحليلية نقدية"
نجلاء حسن صالح محمد الخولي عين شمس التربية اللغة العربية والدراسات الإسلامية الماجستير 2006
"وبعد، فإن دراسة شرح ابن جابر الأندلسي لألفية ابن مالك من خلال التعرف على منهج الشارح، وتحديد مصادره، وتحليل استشهاده بالنثر والشعر، والوقوف على الأصول النحوية في شرحه، ثم تحديد مذهبه النحوي – أسفرت عن نتائج مختلفة، بعضها عام: يخص شروح الألفية وشراحها، والبعض الآخر: خاص بالشارح وشرحه، وهذا تفصيلها.
(أ) النتائج العامة:
أولاً: نتيجة لقرب عهد شراح الألفية بالناظم وابنه – فقد داروا في فلكهما؛ إذ تظهر بوضوح آراء ابن مالك، وكذلك آراء ابنه – حتى المخالفة منها.
ثانيًا: شروح الألفية ما هي إلا مؤلفات تعليمية، وعليه فإن من أبرز سماتها: بسط العبارة، ووضوح الفكرة، والإيجاز مع التنظيم.
ثالثًا: ليس بالضرورة أن يظهر بالشرح فكر خاص بالشارح، أو يتضمن الشرح آراء جديدة، تكون كاشفة عن مذهب الشارح؛ لأن غاية الشرح تعليمية لا تأليفية.
رابعًا: ظهر بوضوح تحفظ النحاة إزاء التوسع في الاستشهاد بالأمثال العربية وخطب، وعلى العكس من هذا التوسع في الاحتجاج بأقوال العرب، دون تفرقة بين ما كان منسوبًا وما لم ينسب؛ فكلها مسموعة، مقبولة، يحتج بها.
خامسًا: تعامل النحاة مع الموروث الشعري بصورة تقليدية؛ إذ تخلو الشروح من نسبة أغلب الشواهد، وتكثر بها شواهد الرجز، ويرد بها شعر للمولدين، كذلك لا يمكن الوقوف على منهج محدد في إيراد البيت كاملاً أو شطرًا منه، أو التفرقة في الاستشهاد والاحتجاج بين ما هو معروف، وما هو مجهول، وبالجملة فإن التعامل مع الشاهد الشعري مما أخذه خلف عن سلف.
سادسًا: أثبتت شروح الألفية أنه يمكن التخفف من حدة الفروض الجدلية في أبواب النحو المختلفة، وانتقاء ما يفهم من الأصول النحوية، وتوظيفه لخدمة الدرس النحوي.
(ب) النتائج الخاصة بالشارح وشرحه:
أولاً: لم يكن ابن جابر مجددًا في شرح الألفية، فالأمثلة – وإن كثرت – لم تكن بجديدة، وحدة المصطلحات، وتنوع المقدمات، وشرح اللغويات...، كل هذا شاركه فيه غيره من الشراح على تفاوت بين بعضهم والبعض الآخر.
ثانيًا: انفرد الشارح بالتوسع في إعراب أبيات الألفية، فجاء الإعراب وسيطاً إلى الفهم؛ إذ الشرح لا الإعراب هدف ابن جابر المحدد في مقدمة شرحه.
ثالثًا: بالرغم من بسط الآراء، وتحليل ما بها من حجج وأدلة، فقد ضن الشارح بأمرين يخصان مصادره، الأول: التصريح بأسماء ذوي الآراء، والآخر: التصريح برأيه فيما يعرض أو ينقل، وهذا هو الغالب على الشرح.
رابعًا: جاءت القلة المثبتة من مصادر ابن جابر في شرحه خير شاهد على أمانته؛ فقد كانت الدقة خير رفيق له فيما ينقل، ولا يعني هذا النقل الحرفي؛ إذا استطاع ابن جابر التصرف في النص المنقول بما لا يؤثر على صحة النقل، ويتوافق مع منهجه في الشرح؛ ليحقق الهدف منه.
خامسًا: جاء الشاهد القرآني في الشرح حجة وتمثيلاً، ومما يضاف إلى الشارح ذكر التوجيه النحوي لأكثر القراءات ، أضف إلى هذا عنايته بنسبة عدد كبير منها إلى أصحابها، كما يحسب له عدم المفاضلة بين القراءات السبعية والعشرية الشاذة، بل الدفاع عنها دون إنكار أو رفض.
سادسًا: لم يتح ابن جابر النحوي الفرصة لابن جابر المحدث أن يظهر فيهما استشهد به من شواهد حديثية، بل يمكن القول: إن عدد شواهده من الحديث تنبئ عن تحفظه إزاء التوسع في الاحتجاج بالحديث متابعًا بهذا شيخه أبا حيان، مخالفًا ابن مالك.
وبالرغم من هذه المخالفة فإن شواهد ابن جابر – من الحديث – لم تخرج عما جاء في مؤلفات ابن مالك، كشرح التسهيل، وشرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ، وشرح الكافية الشافية، وشرح التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح.
ومما يحسب له أن أكثر ما انتقاه من الأحاديث – الواردة بمؤلفات ابن مالك – كان من كتب الصحاح.
كما كان يقدم للحديث بالنص على أنه حديث، أو أنه من الصحيح، أو يقدم له بالذكر سنده أو راويه.
سابعًا: تابع ابن جابر السابقين فقي الاستشهاد بالأمثال العربية على قلة، وفي الاحتجاج بأقوال العرب بكثرة مفرطة.
ثامنًا: ظهر الشاهد الشعري في الشرح بصورة مألوفة؛ نجد الشارح يتناوله بتحديد موضع الشاهد، وشرحه، وشرح المفردات في البيت، كما تطرق في بعض شواهده إلى الروايات المختلفة للشاهد الواحد، وأشار إلى مصادر قليل من شواهد شعره.
تاسعًا: أجاد ابن جابر توظيف الأصول النحوية لإفهام المبتدئين؛ حيث جاء السماع في شرحه – ثبوتا وعدما – بمراتبه الخمس، وإلى جانبه القياس لا تضاد بينهما ولا تنافر، وظهرت العلة النحوية بلا إغراق فيما أقيم حولها من فروض وجدال، ويضاف إلى هذا تخففه من وطأة التأويل والضرورة والعامل أثناء الشرح.
عاشرًا: ناقش ابن جابر عددًا لا بأس به من مسائل الخلاف على الرغم من أنه لم يهدف – في شرحه – إلى البحث في الخلاف خاصة، ومما يحسب له اعتداله في عرض الآراء ومناقشة الأدلة.
أخيرًا وليس آخرًا: تخفف ابن جابر من إظهاره فكره الخاص به في شرحه، ومما ظهر من أطياف لبلاغته، وشاعريته، ومعرفته بالحديث – لا يكفي لتكوين صورة عن فكر يخصه، أو رأي أتى بجديد؛ إذ لم تظهر جرأته في تقرير رأي دون غيره، وهذا في أغلب الشرح.
ولعل هذا يجعلنا نقر بوصف السيوطي؛ فهذا الشرح مفيد: يشرح الألفية، ويعتني بإعراب أبياتها، ونافع للمبتدئين: يطرح عليهم الآراء، دون تقييدهم بفكره ورأيه فيما يعرض، ويبسط لهم الأصول النحوية، كل هذا بعبارة واضحة محددة، خالية من الجدل، بلا إفراط في التناول ولا تفريط.
رحم الله ابن جابر الأندلسي رحمة واسعة، وجزاه خيرًا جزاء ما تكلم فأملى وعلَّم، وشرح فأَفْهَم."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة