"الثورة العقلانية الشاملة في أهداف ومناهج العلم عند نيقولاس ماكسويل"
محمد السعيد أحمد دوير الإسكندرية الآداب الفلسفة الماجستير 2007 484
"هذا بحثُ في فلسفة العلوم ، يطرح إشكاليةً هامةً وهي ضرورة إعادة النظر من جديد في توجهات المعرفة العلمية الحالية ، ويقدم فيلسوفاً غربياً للمكتبة العربية ، وهو البروفسير نيقولاس ماكسويل Nicholas Maxwell ( 1937 - ) ، الأستاذ الفخري بجامعة لندن ، قسم مناهج وتاريخ العلوم . وقد جاء البحث تحت عنوان "" الثورة العقلانية الشاملة في أهداف ومناهج العلم عند نيقولاس ماكسويل "" . ولكن لماذا ماكسويل ؟ . ولماذا الثورة العقلانية الشاملة ؟ . ثم كيف تتأسّس الفكرة ؟ . وهنا يجب أن نُمهد لمنطق الاختيار ، ولفكرة الموضوع .
أما لماذا الثورة العقلانية الشاملة ؟، فإن الإجابة علي هذا السؤال تستدعي النظر التاريخي ، فمنذ منتصف الستينيات تقريباً ، وماكسويل يطرح أفكاره وتصوراته ، من خلال الكتب والأبحاث والمقالات ، في كافة فروع فلسفة العلوم ومناهجها، وقد لاحظ الباحث أن من بين أهم تصوراته تلك ، دعوته إلي "" ثورة عقلانية شاملة في أهداف ومناهج العلم "" ، من منطلق أنها تمثل فكرة التحول الرئيس من فلسفة المعرفة إلي فلسفة الحكمة ، أي من مزيد من اكتساب المعرفة إلي مزيد من تحضر العالم ، ومن ثُمّ جاءت الدراسة متسمة بطبيعة الموضوع نفسه ، فشهدت تحولات بين فصولها ، وتغيرات – أحياناً حادة داخل كل فصل ، بمعني أنها دراسة مناخية تغير فيها الطقس المعرفي أكثر من مرة ، وتناولت قضاياها من متن فلسفة العلوم ، في معظم الأحيان ، ومن هوامش التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد والسياسة والحكمة ، في بعض الأحيان .
ولأن ماكسويل يحاول أن يصل ما انقطع فيما كان بين الحكمة والمعرفة من اتصال ، وأن يُحوِّل اهتمامات العلم والعلماء ومراكز الأبحاث العلمية إلي معاناة البشر ، والي إحداث قدر من التعاطف والتعاون العقلاني بين المعرفة والإنسان ، وبين الإنسان وأخيه الإنسان في كافة إرجاء المعمورة .، لذلك ، فلا مندوحة إذن أن يأتي البحث دمجاً وتفاعلاً دائماً ومستمراً بين المشكلات والقضايا الابستمولوجية من ناحية ، والقيم والمفاهيم الإنسانية العليا من ناحية أخري . إنه إذن ، بحث في فلسفة العلوم ، ولكنه يطل بناظريه علي الاعتبارات المؤسسة لها ، والدافعة لمقولاتها ، والمندفعة منها إلي فضاء العالم ، فتُحدث نوراً بقدر ما تمس قدراً من النار علي جنبات الطريق ، وتلك ""الشيزوفرينيا"" هي الأزمة الكامنة في ثنايا البحث العلمي الحالي ، أزمة انفصال العلم عن متطلبات الحياة الإنسانية ، وأزمة انشغال العلم بالواقع وتعظيم شئون القوة ، وأزمة انفصال العلم عن الحلم ، حلم البشرية بحياة أكثر تعاوناً .
أما السؤال الثاني : كيف تأسست فكرة البحث ؟، وهنا يمكن النظر إلي تأسيس فكرة الموضوع أو البحث من منطلق تصور مفاده : أن السياق العام للمعرفة الإنسانية ، المعرفة في كافة صورها وتجلياتها ومعانيها ، ظهرت للوجود في صورتين ، تمحوّرت الأولي ، حول التوصل إلي المعرفة من خلال الحكمة ، نعم اتخذت أشكالاً متعددة ومتنوعة ، وصاغت رؤاها وفق معانٍ ودلالاتٍ سماويةٍ وأرضيةٍ ، ولكنها في النهاية ربطت بين القدرة علي المعرفة الحقيقية والحكمة التي يختص بها الخاصة ، وقد اتخذت هذه الصورة شكل العلاقة ( من الحكمة إلي المعرفة ) ، وقد دارت رحى هذا التصور ، ربما لقرون مديدة ، وحضارات عديدة في مصر ، والهند ، والصين ، واليونان وغيرهم ، فلم تعرف البشرية منطلقاً معرفياً بعيداً عن تلك المفاهيم.
بينما جاء التحول – وهو المعبر عن الصورة الثانية - مع بدايات عصر النهضة والعصر الحديث ، في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، حيث اختفت كل صور الحكمة ، بوصفها عنصراً فاعلاً ومؤثراً في الفكر الإنساني ، واتخذ المصطلح ( مصطلح الحكمة ) دلالاتٍ ومعانٍ اختلفت عما سبق ، وصارت المعرفة والبحث عن التقدم الإنساني هما هاجس الإنسان الوحيد ، إلي أن تحولت المعرفة ، ولا سيما المعرفة العلمية – في نظر فيلسوفنا – إلي كائن مصاب بمرض العصاب ، وبالتالي يحتاج إلي علاج نفسيَّ وعضويَّ ، وإعادة النظر في الطريقة التي يعمل بها ويدير الحياة من خلالها ، ومن ثم تصبح الدعوة إلي إعادة الاتزان للحياة الإنسانية ، أمراً مرغوباً فيه .
من هنا تبني ماكسويل شعار( من المعرفة إلي الحكمة ) ، وهو عنوان دوَّنه علي غلاف أهم كتبه علي الإطلاق وأصدره في عام 1984، بل وجعل هذا الشعار أيضاً العنوان الرئيس لموقعه الالكتروني . من هذا المنطلق نصل إلي أهمية تلك الفكرة عند ماكسويل ، ووفق هذا المعني ، وبناءً عليه ، تبلورت فكرة الموضوع ، وتحدَّد الإطار العام للبحث ، وبدأ الباحث في خوض غمار التجربة ، برغبة في الكشف والتبصر بهذا العقل المتحول وذلك الفيلسوف غزير الإنتاج .
وفي البداية كان علي البحث أن يطرح تساؤلاته ذات الصلة بالموضوع ، وأن يحاول الباحث الإجابة علي تلك التساؤلات بناءً علي دراسته في فكر الفيلسوف وفكرة الموضوع ، وقد جاءت تلك التساؤلات كما يلي :
1- ما التصورات الابستمولوجية والميثودولوجية التي سيطرت علي المعرفة العلمية في القرون الأربعة الأخيرة ؟.
2- كيف استطاعت هذه التصورات أن تشكّل الأبعاد الفكرية والثقافية للعقل الغربي ، وبالتالي توجهه نحو مزيد من اكتساب المعرفة ؟.
3- ما المصادر الأساسية لفلسفة المعرفة ؟ وكيف تشكَّلت رؤاها من حيث البرنامج النظري والبناء الوظيفي ؟.
4- لماذا فشلت التجريبية القياسية - وفقا لمنظور ماكسويل - في حل المشكلات الابستمولوجية والميثولودوجية في حقل فلسفة العلم ؟.
5- ما الأسس التي استند إليها ماكسويل في إقراره بلاعقلانية البحث العلمي الحالي ؟ ثم ما النتائج المترتبة علي هذا التصور ؟.
6- كيف يؤسِّس ماكسويل لقواعد ومرتكزات الثورة العقلانية الشاملة ؟.
7- كيف تحَّول ماكسويل من تصورات التجريبية القياسية ، بوصفها الجوهر الصلب لفلسفة المعرفة ، إلي التجريبية موجهة الهدف؟ ثم ما مستوياتها ،؟ وكيف تعمل ؟.
8- ما مقومات وعناصر تلك الثورة ؟ ، وكيف تساهم في عملية التحول من سياق معرفي يؤكد علي اكتساب المعرفة كوظيفة جوهرية ، إلي سياق معرفي آخر يؤسس لاكتساب معرفة ذات أبعادٍ حضاريةٍ وتنويريةٍ تسود العالم ؟.
9- كيف ينظر ماكسويل لخطوات الثورة العقلانية الشاملة ؟ وهل هي ثورة في فلسفة العلم ، أم أنها ثورة في كافة مجالات المعرفة الإنسانية ؟.
10- ماذا عن مصطلح الحكمة وتاريخه ؟ ففي سياق البحث في فلسفة الحكمة ، كيف لنا أن نُؤسِّس للتصورات التاريخية للمصطلح ؟ وكيف تفاعلت الحضارات الإنسانية معه ؟.
11- ما تصورات فلسفة الحكمة ، من حيث منطق التأسيس والبنية الفكرية والتوظيف الابستمولوجي ، ودور كُلّ منها في إعادة إنتاج المعرفة الإنسانية وفقا لمتطلبات الحياة ؟.
12- إلي أي معني تشير العقلانية موجهة الهدف ؟ وما عناصرها المكوّنة ومصادرها المختلفة ؟
13- ماذا عن فاعليات التحول من المعرفة التقليدية ، في صورها المتعددة التي عبَّرت عنها فلسفة المعرفة ، إلي المعرفة الجديدة المنطلقة من تصورات فلسفة الحكمة ؟.
14- هل ثمة معقولية في تصورات فلسفة الحكمة ؟ أم أنها تقوم علي رؤى نظرية لا تقبل التحقّق والنفاذ ؟.
15- ما مبررات ودوافع ماكسويل في التحول من العقلانية النقدية البوبرية إلي العقلانية موجهة الهدف ؟.
16- كيف ينظر ماكسويل إلي التصورات الفلسفية التي دشنها فلاسفة العلم المعاصرين في فلسفة العلوم ، ولاسيما كون ولاكاتوش ؟.
17- ما سمات وخصائص البحث العلمي عند ماكسويل ؟.
18- كيف يري الباحث التصورات الابستمولوجية والميثولودوجية عند ماكسويل في إطارها الفلسفي العام ، ومن منظور أطروحاته المختلفة ؟.
وبناءً علي هذه التساؤلات التي تحتوي قضايا وإشكاليات الدراسة ، جاءت الفصول الخمسة لتكشف عن تلك التصورات الكامنة في المحتوي التساؤلي .
في الفصل الأول : "" المعرفة العلمية : الإطار والوظيفة "" يعرض الباحث لثلاثة مستويات معرفية . يناقش في المستوي الأول ، أهم النظريات العلمية في القرون الأربعة الأخيرة ، والتي شكَّلت وأحدثت تحولات معرفية هامة في العلم الحديث . من تيكوبراهي إلي أينشتين ، متجهين في دراستهم لما يخدم الفكرة الأساسية للبحث ، وبما لا يخرجنا عن هدفه ومضمونه . وجاء المستوي الثاني عرضاً لأهم التصورات الميثولودوجية في تلك الفترة أيضاً ، فمن بيكون إلي كانط تبلورت الرؤى التي تبحث في شروط المعرفة ومناهج وأهداف العلم . أما المستوي الثالث ، فقد عرض للتصورات الابستمولوجية لدي فلاسفة العلم في القرن العشرين ، من الوضعية المنطقية إلي بوبر وكون ولاكاتوش وباشلار .. وغيرهم . وحاول الباحث في نهاية هذا الفصل صياغة رؤية عامة وموحدة ، تربط بين تلك المستويات الثلاثة التي تشكل قوام البحث ومعمار فلسفة المعرفة ، أو المعرفة العلمية منذ نشأة العلم الحديث وحتى الآن . إن أهمية هذا الفصل تكمن في أنه يشكل القاعدة الأساسية للبحث ، نظراً لأن تصورات ماكسويل النقدية لفلسفة المعرفة والتجريبية القياسية جاءت في مجملها مستهدفة هذا البناء المعرفي ، ومن ثم وجب العرض والتحليل ، حتي يمكن استجلاء توجهاته النقدية في هذا الاتجاه .
أما الفصل الثاني : "" فلسفة المعرفة : المشكلات والنتائج "" ، فيتضمن السيرة الذاتية للفيلسوف ، مع عرض لمجمل أعماله ومؤلفاته – حتي لحظة كتابة الرسالة - ، ثم ينتقل الباحث إلي حيث المصادر الأساسية لفلسفة المعرفة ، التي تلخصت ، وفق تصور ماكسويل ، في النزعة التجريبية البيكونية ، والثنائية الديكارتية ، والأيدولوجيا العلمية النيوتونية ، وبرنامج التنوير التقليدي - برنامج التنوير الفرنسي في القرن الثامن عشر - . لقد ساهمت تلك المصادر في ترسيخ مفاهيم فلسفة المعرفة ، ومن خلالها انبثقت كافة مشكلات المعرفة العلمية الحالية ، لذلك جاءت ضرورة البحث في التصورات الابستمولوجية لفلسفة المعرفة وفق تصورين هما : البرنامج النظري والبناء الوظيفي ، أو الكيفية التي تعمل بها في سياق البحث العلمي . ولكن ماكسويل لم يتوقف عند حدود العرض التحليلي لفلسفة المعرفة بل أثار المشكلات الناتجة عن تبني رؤي التجريبية القياسية - بوصفها عقيدة فلسفة المعرفة - في البحث العلمي الحالي ، ومن ثمَّ فقد عرض الباحث لتلك التصورات وما نتج عن الإقرار بفشلها في حل المشكلات الابستمولوجية التي تعترضها ، حيث ناقش مشكلات البساطة والاستقراء والاحتمال .
في الفصل الثالث : "" الثورة العقلانية الشاملة "" ، يعرض الباحث لدوافع ومبررات تلك الثورة ، وفقا لرؤية ماكسويل ، التي تستند علي جملة انتقادات جذرية في التكوين الحالي للمعرفة العلمية ، بما يجعل من استمرارها علي هذا المنوال أمراً بالغ الخطورة ، وينذر بعواقب وخيمة علي الجنس البشري . إن اللاعقلانية الكامنة في البحث العلمي الحالي ، تفترض ضرورة إحداث ثورة عقلانية شاملة في أهداف ومناهج العلم السائدة ، ولكن التساؤلات التي تطرح نفسها هنا : أية ثورة تلك التي يحدثنا عنها ماكسويل ؟ وفي أي اتجاه ؟ وهل تتوقف الثورة عند حدود الرؤى الفلسفية لفلاسفة العلم المعاصرين ،أم أنها ثورة شاملة تتضمن بالضرورة المعارف الإنسانية ؟ .إن ماكسويل ، ومن منظور تكامل المعرفة العلمي والوعي البشري بها ، يذهب إلي أنها ثورة شاملة تتضمن في ثناياها إعادة النظر من جديد في توجهات المعرفة العلمية . ولذلك جاءت مقومات الثورة متضمنة ثلاثة مفاهيم أساسية ومركزية في فلسفة ماكسويل ، وهي "" القيمة – التنوير الجديد – التجريبية موجهة الهدف "" .
فمفهوم القيمة لديه لا يتشكل وفق المعايير التي تصورتها الرؤى الدينية ، أو المذاهب السياسية الكبرى ، أو الفن ، أو الأدب تماماً ، إذ أنه لا يتوقف عند تلك المفاهيم بصورة كلية ، بل يذهب إلي تطوير المعني والدلالة بحيث يصبح قادراً علي إنتاج دلالات جديدة مستقرة ودائمة، ومن ثَّم يطرأ تصورُ جديدُ لمفهوم القيمة يتوافق مع متطلبات فلسفة الحكمة . ومن القيمة إلي التنوير الجديد ، وهو المقوِّم الثاني للثورة العقلانية ، وهنا يوجه ماكسويل نقده إلي برنامج التنوير الفرنسي ، من منطلق أن العيوب المتأصلة فيه ، وفشله في إنجاز المهمة الحضارية والتنويرية في إحداث قدرٍ من التطور مطابقٍ لما حدث في العلوم الطبيعية ؛ قد أثرت بصورة سلبية في البحث العلمي المعاصر ، لقد حاول التنوير التقليدي الدفاع عن العقلانية والحرية والمنهج النقدي ، ولكنه لم يتمكن من الاستفادة ، كما ينبغي ، من تقدُّم العلم الطبيعي في تطوير البحث الاجتماعي . وبناءً علي ذلك طرح ماكسويل تصوراً أكثر تطوراً لبرنامج جديد للتنوير ، يعمل وفق معطيات البحث الاجتماعي وشروطه ، بحيث يمكّنُنا من عقد الصلة بين كافة فروع العلم المختلفة ، بوصفها فاعلية إنسانية ونشاط بشري متميز.
ولكن الثور العقلانية الشاملة لدي ماكسويل لا تكتمل بدون تضمين التجريبية موجهة الهدف – أهم مفاهيم ماكسويل الفلسفية – في سياق البحث ، وفي مقومات الثورة العقلانية . إن التجريبية موجهة الهدف هي اللحظة التي تنفجر فيها الثورة ، ومفتاح التحول من فلسفة المعرفة إلي فلسفة الحكمة ، فإذا أمكن لنا تفعيلها بكافة مستوياتها داخل البنية الفكرية لفلسفة المعرفة فإن الخصائص العامة والسمات الأساسية للبحث العلمي سوف تتغير ، ومن ثم يصبح التحول من رؤي وتوجهات سابقة إلي تصور معرفي جديد أمراً ممكناً .
ويعرض الفصل الرابع : "" فلسفة الحكمة : من الأهداف إلي النتائج "" لمصطلح الحكمة وتاريخيته في الحضارات الشرقية والأديان السماوية ، ثم يتحول إلي مناقشة تصورات فلسفة الحكمة الأساسية "" منطق التأسيس – البنية الفكرية – التوظيف الابستمولوجي "" . ومن ثلاثية التصورات إلي مركزية فلسفة الحكمة ، أي العقلانية موجهة الهدف ، إذ يناقشها من حيث مصادرها ، ودورها في معمار وبناء الحضارة الإنسانية ، وفقاً لمتطلبات المعرفة الجديدة التي تتأسس علي رؤية موحدة لكافة فعاليات النشاط الإنساني المبدعة والعقلانية والتعاونية . ثم ننتقل من البحث النظري إلي البحث التطبيقي ، حيث نناقش إمكانية تطبيق العقلانية موجهة الهدف علي نظرية التحليل النفسي باعتبارها احدي النظريات التي فسرتها فلسفة المعرفة بطريقة خاطئة.
إن أهمية هذا الفصل تكمن في أن فلسفة الحكمة تمثل الجانب الايجابي البنَّاء في فلسفة ماكسويل ، فلو أمكن لنا اعتبار أن تصوراته النقدية لفلسفة المعرفة هي الجانب السلبي القائم علي فكرة الهدم ، هدم النسق المعرفي الحالي من حيث أهدافه ومناهجه ، وليس من حيث محتواه المعرفي ؛ فإن فلسفة الحكمة هي التصور البديل القائم علي فكرة البناء ، ومن ثم فقد خضعت تلك الفكرة بتجلياتها المختلفة لرؤية نقدية من بعض فلاسفة العلم . ومن هنا فإن فلسفة الحكمة عند ماكسويل لا تزال فكرة قائمة – لم تخضع للتطبيق حتي الآن – ومعني ذلك قابليتها للتعديل أو التطوير ، من قِبل ماكسويل نفسه أو من قبل آخرين ، طالما أنها لا تزال تمثل نسقاً فكرياً مفتوحاً وليس مغلقاً .
وفي الفصل الخامس والأخير : "" سمات وخصائص البحث العلمي عند ماكسويل "" ، فيعرض لثلاثة عناصر رئيسية في هذا الخصوص ، بحيث يدور البحث في القسم الأول حول نقد ماكسويل للمذهب التكذيبي عند كارل بوبر ، وعملية التحول الفلسفي من التكذيبية البوبرية إلي التجريبية موجهة الهدف ، بمقولاتها وتصوراتها التي تضمنت أيضا رؤي كُلِّ من بوبر وكون ولاكاتوش . بينما يبحث القسم الثاني في أهم سمات البحث العلمي عند ماكسويل في جانبها الابستمولوجي ، وهنا نعرض لرؤيته وموقفه النقدي للعقلانية النقدية ، ونظرية العلم السوي ، وفكرة برامج الأبحاث العلمية ، بهدف الوقوف علي أهم ما يميز التجريبية موجهة الهدف من خصائص وسمات تعبر عن الجوانب الفلسفية عند ماكسويل ، وبما يعكس لنا حواراً جدلياً خصباً بين الأنساق الفلسفية في إطار فلسفة العلم. بينما يتطلع القسم الثالث والأخير إلي دراسة تحليلية لبعض السمات الفكرية عند ماكسويل ، وأهم ما يميز منهجه في التناول وأسلوبه وطريقة عرضه لموضوعاته ، وأصالته الإبداعية .
وأخيراً ، تحتوي "" الخاتمة "" علي التصورات التي استخلصها الباحث من مجمل دراسته للثورة العقلانية الشاملة في أهداف ومناهج العلم عند نيقولاس ماكسويل ، وتتضمن محاولة لقراءة تحليلية نقدية لمجمل التصورات والمفاهيم والرؤي والأفكار التي طرحتها الرسالة.
ومن الفكرة والتساؤلات ومحتويات الفصول ، نتحول إلي المنهج المستخدم في هذه الرسالة. وقد ذكرنا سالفاً ، أنها دراسة مناخية تموج بالتحولات والمتغيرات ، فهي إذن دراسة ثورية ، ما أن تعرض قضيةً أو موضوعاً للمناقشة حتي تؤسس لفكرة جديدة ، تتجاوزها أو تطورها في صورة أشمل ، ولذلك فقد وجد الباحث أن المنهج التحليلي النقدي هو أهم المناهج التي قد يستعين بها في هذا البحث ، نظراً لطبيعة الموضع نفسه ، الذي هو مشروع فكري ، لأحد أهم فلاسفة العلم المعاصرين ، قائم علي نقد وتحليل ابستمولوجيا العلم المعاصرة ، ثم طرح رؤية مغايرة ومختلفة من أجل معالجة المشكلات الناتجة عن العيوب التي أفرزتها تلك الابستمولوجيا .
بيد أن المنهج التحليلي النقدي هذا لا يقف بمفرده شاخصاً في مواجهة أفكار الدراسة لأنها تحتوي علي أبعاد تاريخية ، وخاصة المتعلق منها بتاريخ العلم ، وتاريخ فلسفة العلوم ذاتها ، ففي بعض الأحيان دفعتنا ظروف البحث إلي المناقشة التاريخية لبعض الموضوعات ذات الصلة بالبحث ، وفي الوقت نفسه متصلة بعلوم إنسانية أخري كالتاريخ ، وقد جري ذلك عند مناقشة الباحث لتاريخ ودلالة مصطلح الحكمة عبر العصور . علي أن هذين المنهجين لا يتمما الدراسة من الناحية المنهجية ، وذلك لأنَّ المنهج المقارن حضر بنسب ودرجات متفاوتة في المشهد البحثي ، الأمر الذي يُلزمنا بضرورة تدوينه كأحد المناهج المستخدمة في الدراسة . إذن ، فقد استخدم الباحث المنهج التحليلي النقدي - والتحليل هنا عملية عقلية متضمنة أو مرحلة للنقد ذاته كمنهج - ، ثم استخدم المنهج التاريخي ، فالمنهج المقارن .
يبقي أن نشير هنا إلي خمس ملاحظات هامة :
الملاحظة الأولي : أن الباحث قد تواصل - عبر البريد الاليكتروني - مع البروفسير ماكسويل ، وهنا يجب أن نسجل مدي الفائدة التي تحققت من هذا التواصل ، ومن أهم نتائج تلك السمة التواصلية : أن الباحث استطاع أن يقف علي حدود ومناطق الأثر في موضوع رسالته ، حيث أشار إليه ماكسويل بالمراجع التي تفيد البحث ، ولا سيما أن الدراسة لا تتعرض لكل فلسفة ماكسويل ، بل اتخذت نقطة واحدة فقط في فلسفته ، وهي المتعلقة بالثورة العقلانية الشاملة . وربما كان من نتائج هذا التواصل أيضا ، تعديل أو إيضاح بعض النقاط الغامضة علي الباحث ، أو الكشف عن بعض الأفكار والتساؤلات التي طرحها الباحث ولم تكن متضمنة في كتبه أو مقالاته . وثمة أمثلة علي هذه الفكرة سوف يرد التنويه عنها في مواضعها .
الملاحظة الثانية : أن الباحث قام بترجمة أحد أهم النصوص لماكسويل ، وهو مقالته "" POPPER ,KUHN, LAKATOS AND AIM-ORIENTED EMPIRICISM , : بوبر كون ، لاكاتوش والتجريبية موجهة الهدف "" ، وترجع أهمية هذا النص إلي أنه قراءة تحليلية نقدية لرؤى هؤلاء الثلاثة ، بالإضافة إلي أنه يطرح من خلالها تصوره الرئيس ونظريته الأهم ومحور فلسفته "" التجريبية موجهة الهدف "" . وقد ضمها الباحث كملحق للرسالة بعد الحصول علي إذن من البروفسير ماكسويل بترجمتها إلي اللغة العربية .
الملاحظة الثالثة : وهي المتعلقة بصعوبة البحث ، فعلي الرغم من هذا التواصل مع الفيلسوف ، وبرغم التواصل المعرفي والإنساني بين البروفسير ماكسويل والدكتور ماهر عبد القادر ( المشرف علي الرسالة ) ، إلا أن الصعوبة ظلت تخيم علي سماء الدراسة منذ بداياتها ، ومكمن الصعوبة في هذا البحث ، أن فكر ماكسويل مركب بدرجة كبيرة ، إنه يُطوِّر أفكاره بصفة مستمرة ، ويُعدِّل من رؤاه بشكل دائم ، ويضيف ويحذف ويختصر ، ويُعيد إنتاج الفكرة علي أكثر من مستوي وفق طبيعة الموضوع الذي يناقشه أو يُخضعه للتحليل ، وعلي سبيل المثال ، فقد تتبعت نظريته عن "" التجريبية موجهة الهدف "" في أكثر من ستة كتب ومقالات ، ولم أجدها متطابقةٍ في مقالين ، حتي استقر مفهومها لدي الباحث في أواخر عام 2006، وجاءت في صورتها الأخيرة كما وردت بالنص المترجم في الملحق .
هذا بالإضافة إلي أن تصوراته الفلسفية ذات طابع توليدي ، أي أن الأفكار غير مستقلة ، أو ،علي الأقل، مكونة من مجموعات من الرؤى ، أي أن أول فكرة لديه تؤدي إلي الفكرة الأخيرة بالضرورة ، وهذا يعكس لنا بالطبع نسقاً فلسفياً متماسكاً ، ولكنه لا يعطي للباحث فرصة لأن يبدأ الفكرة من حيث يجب أن تبدأ ، ولذلك فغالبا ما جاء الطرح في كل الفصول منطلقاً من ذات المسلمات والمباديء . باختصار "" إنك تستطيع أن تبدأ من أي نقطة عند ماكسويل لتصل من خلالها إلي أي نقطة تريد"".
الملاحظة الرابعة : أن ماكسويل مفكر موسوعي ، ينطلق من فلسفة العلوم ، ويبحر في أنساق معرفية جديدة ، حيث يتحول من العلم إلي الاقتصاد ، ومن المعرفة إلي الوعي ، ومن حكمة الأقدمين إلي فلسفة الحكمة ، ويصيغ رؤاه الابستمولوجية بحروف الهجاء الأدبية ، وينظر للجزء في اتصاله بالكل ، ولديه القدرة علي ربط الأفكار بعضها ببعض ، وينسج بينها خيوط من التواصل . إن هذه القدرة ، وذلك الشمول في الرؤية ، دائماً ما يؤدي – لمن يبحث في فلسفته – إلي تأجيل الحكم ، وعدم التعجل في الفهم حتي تكتمل القراءة ، وما إن تكتمل حتي تمور أرض اليقين من تحت الأقدام ، بفعل ديمومة التغيرات والإضافات والحذف لتصوراته ، لتكتشف أنك في حاجة من جديد إلي القراءة المتأنية .
الملاحظة الخامسة : أن فلسفة ماكسويل هي سلسلة من التحولات ، وبناء فكري ضخم متشابك الأطراف ، تحكمه فكرة مركزية واحدة ، وتتفرع منه أفرع عديدة من الثنائيات ، فعلي المستوي الابستمولوجي ، ثمة ثنائية بين التجريبية موجهة الهدف والعقلانية موجهة الهدف ، وعلي الصعيد الميثودولوجي ، نجد ثنائية مناهج العلوم الطبيعية ومناهج فلسفة الحكمة ، وعلي صعيد أسلوب الكتابة ، نجده يتحول من الأسلوب العلمي الذي تفرضه الثقافة العلمية ، إلي الأسلوب الأدبي ، أو الصياغة الأدبية ، ولذلك نجده كثيراً ما يكتب بلغة أهل الأدب ، وهو اتجاه متعمد ومقصود لديه ، حيث تفرض التوجهات الفلسفية عنده هذا التناول . إن الحول من فلسفة المعرفة إلي فلسفة الحكمة ، لا يستلزم تغيرات فكرية وابستمولوجية فحسب ، بل يتعدي ذلك إلي حيث ضرورة تغيير نمط وأسلوب ولغة الكتابة ذاته ، ومن هنا تأثرت لغة الرسالة بتصورات ماكسويل ومنهجه ، فجاءت علي الكيف الذي ارتضاه ماكسويل لفلسفته ، وبنفس السمة الأدبية في الصياغة والمصطلح .
من هنا كانت الصعوبات ، ومن هنا أيضاً تأتي متعة البحث العلمي وجدواه ونفعه .
فعسي أن يشفع البحث للباحث ، وإن لم يكن ، فلتشفع النوايا الطيبة والإخلاص في العمل ."
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة