دراسة ظواهرية تأويلية جماليات المكان فى الشعر المصرى الجديد

هدى عطية عبد الغفار عين شمس الآداب اللغة العربية دكتوراه 2009

 

 

                                                                "يهدف هذا البحث إلى إقامة جماليات المكان الشعري من خلال دراسة الشعر المصري الجديد بوصف الممارسة الجمالية بالأساس انبثقت من رؤية الإنسان المعاصر لعالمه وطريقته في الوجود وفهمه وتقويمه  .    

                وتعددت الإشكاليات التي اعترضت هذا الموضوع، وكان أولها يرتد إلى الرؤية المنهجية التي يمكن تخيرها في ظل وعى بما تعانيه الدراسات الجمالية من مثالب وأوجه قصور؛ فإن أغلب ما نجده من أدبيات علم الجمالAethetics مجرد محاولات تبني ذاتها عادة في كيان نظري خالص يفتقد برغم تماسكه وصحته المنطقية إلى الحيوية والعمق المرتبطتين برؤية بديلة لا تنظر للجمال باعتباره مفهوما فلسفيا وإنما ممارسة وحقيقة قائمة عيانا

ومما أفضى إلى تهافت بعض المحاولات التى نحت إلى التطبيق فيما وقفت عليه أنها جاءت تستند مسبقا إلى مبدأ فلسفي تنشغل ببنائه أكثر مما تنشغل ببناء موضوعه بالغة من المفارقة والتضارب المفهومي في تحديد الجمال ومعياره بقدر ما يوجد من فلسفات وما يتبدى من مناهج تنتمي لمجالات معرفية مختلفة تطبق أحكامها إسقاطيا على العمل الشعري ، ومن ثم تنفي جوهره الأساسي بوصفه ممارسة للجمال في ذاته      

                في إطار هذه الانتقادات وانطلاقا منها تحتم على الدراسة إذ تخوض ميدان البحث الجمالي أن تعي ضرورة تجاوز هذا الإرث الإشكالي والبدء بتوفير أرضية منهجية منضبطة تنأى عن الأحكام المسبقة والانطباعية حريصة على الاتصال المباشر بالمكان المتمثل شعريا ووصف ما هو معطى من الظاهرة الجمالية ومن ثم تأسيسها واكتشاف المعنى فيها مدركة أن الجمال لا يوجد بمعزل عن تحققه العياني، وأن الآداب وإن كانت تبديات للجمال فإنها تظل مختلفة فيما بينها جذريا. 

                وفى محاولة لضمان التعالي على الانفصال التقليدي بين الذات والموضوع عمق البحث خطواته بالرجوع إلى الفلسفة الظواهرية والاستفادة من مفهوم الوعي بما يمتاز به من أولية تعنى أنه أساس كل معرفة ومجال موحد ذو طابع قصدي. 

                ولكن هذا الرجوع لم يكن حرفيا ، فالدراسة قامت بتطويع الظاهراتية لتتحول إلى أداة منضبطة لدراسة الجمال في ذاته ، دون أى إحالة إلى مبدأ معرفي يقع خارجه . ومؤدي ذلك أن الوعي في المنظور الظاهراتي يباطن الظاهرة ويصبح مقوما لوجودها العياني حينما يقصدها . ولعل هذا هو السبب الرئيسي في تبني الظاهراتية منهجا .       

ويمكن تحديد خطوات المنهج الظاهراتي الذي تبنته الدراسة في الخطـوات الآتية : 

                أولا : تجاوز ثنائية الذات والموضوع وذلك عن طريق ربطهما معا فى إطار فكرة القصدية. وهذا التجاوز يعنى بطبيعة الحال أن الوعي الشعري سيكون موضوعا لذات وعي آخر هو وعي التلقى. 

                تانيا : تعليق كل الاعتقادات والأحكام المسبقة حول الموضوع الأمر الذي يعنى أن وعي المتلقى سيترك كل ما من شأنه أن يحجب عنه موضوعه في عيانيته بما في ذلك ما تفرضه المناهج السائدة في دراسة الأدب و كل القناعات والأحكام والنتائج المسبقة التى تراكمت حول الموضوع ، والبدء من جديد ، كأنها لم تكن. 

ثالثا : القيام بوصف كل ما هو معطى ، أى قيام الوعي بوصف خبرته بالظاهرة المعطاة أمامه لذاته ، فيحلل بنيتها وبنية الفعل المعرفي الذي يناظرها في الوعي . وتجدر الإشارة هنا إلى أن البنية ليس لها ذلك المفهوم المجرد الذي نجده في النبيوية ، وإنما هى بنية عيانية لا توجد بمعزل عن مكوناتها وأنساقها العلائقية بل تتأصل فيها . 

رابعا : التأسيس الإيجابي للظاهرة المدروسة الذي يعني تأسيس الوعي لمعنى موضوعه، فملاحظة البنية الوجودية للموضوع ووصفها هى خطوة على طريق المعنى  الذى لا يكون معطى فى الظاهرة ذاتها .

                بيد أن الوصف الظاهراتي بهذه الكيفية التي شرحناها يبقى قاصرا عن إدراك كل أبعاد ماهية الظاهرة التي قد لا تظهر فيما هو معطى كليا . ومن هنا يجب تأويل المعطى للوصول إلى الماهية . وهذا ليس له إلا معنى واحد هو أن دراسة الجمال ستنفتح على مجال أوسع مما عرفته من حدودها التقليدية، وهو مجال علم التأويل Hermeneutics . وبناء على هذا ينبغي أن نفهم أن معنى النص هنا سيكون اشتقاقاً من الماهية التي يتم التوصل إليها عن طريق الوصف التأويلي والتفاعل والحوار بين وعي الظاهرة الجمالية ، أى أن المعنى يوجد بوصفه إمكانية وليس شيئا محددا بصورة مسبقة من قبل الشاعر مثلا.

                 و المنهج الذى اتبعته الدراسة  منهج ظاهراتى تأويلى. ويتميزبأنه منهج انتقائى، أعنى أنه ينتقى العينات التطبيقية التي تخضع للفحص. ولذلك فإن القصائد والصور المكانية الواردة في هذا البحث هي بمثابة نماذج أو عينات ممثلة باعتبار أن كلا منها يخدم الموضوع الذي يتناوله، ولكن منهج البحث له خاصية أخرى تحليلية .

    وينقسم هذا البحث إلى مقدمة وتمهيد وبابين وخاتمة ، ولما كانت الدراسة الظواهرية حريصة على أن تبدأ من الخبرة المباشرة ؛ أى من معنى أو ماهية الظاهرة المكانية كما تبدو فى الخبرة وليس باعتبارها مستقلة فإن البحث قد اختار أن يكون الفصل الأول من الباب الأول هو توجه مباشر صوب المكان الشعرى فى محاولة للوقوف على خصائصه الجوهرية وافتراقها عن المكان الواقعى . أما الفصل الثانى فيتناول ماهية الفعل الخيالى وانعكاسه على التبديات الجمالية للمكان الشعرى باعتبار أن هذا المكان هو إسقاط وحدات المعنى التى يحركها الخيال . ويتكون الباب الثانى من ثلاثة فصول تهتم فى مجملها بالحقيقة الشعرية التى تتبدى لنا إذ نقف إزاء الصور المكانية حيث تتجلى بداية حقيقة وجود المكان فى عالم الإنسان وهو ما يتضمنه الفصل الأول من تحليل وتأويل ، وبالنسبة للفصل الثانى فهو محاولة لمعايشة الوعى الإبداعى لدى الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى حيث اتخذ البحث من نثار الصورة المكانية دليلا على حقيقة وعيه والعوامل الأساسية التى توجه قصديته من خيار بدئى وطريقة منتقاة للوجود فى العالم . أما الفصل الثالث فقد حاولنا فيه التطرق إلى قضية كثيرا ما نغفلها ، ألا وهى علاقة الوعى الإبداعى ببناءات الوجود الثلاث : الوجود فى معية الآخر، والزمان ، والعدم وكشف كيفية تحريك هذه البناءات الوجودية لقصدية الوعى المتوجه للمكان ."

 


انشء في: أربعاء 18 يوليو 2012 15:22
Category:
مشاركة عبر