فاعلية المدخل القصصي في تدريس الفلسفة لطلاب المرحلة الثانوية في تنمية التفكير الفلسفي ، والاتجاه نحو الفلسفة

ســعاد عبد السميع حسين فرغلى الإسكندرية التربية المناهج وطرق التدريس دكتوراه 2009

   "يتسم العصر الذي نعيشه بسمتين رئيستين ؛ أولهما : التغيرات المذهلة في شتى المجالات ، والتي ظهرت أصداؤها في مجالات التكنولوجيا ، والفضاء         والانترنت ، والإلكترونيات ، وعلوم الحاسوب ، والأقمار الصناعية ، والعولمة .

 

وثانيهما: إن هذه التغيرات والاكتشافات سريعة متلاحقة ؛ فمن الواضح أن الاكتشافات العلمية التي حدثت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين تعادل نظيرتها التي تمت في السنوات الخمسين السابقة لها ، ومن ثم تضاءل الفاصل الزمني بين الاكتشاف ، وتطبيقاته العملية ، ونتائجه الاقتصادية والصناعية بشكل ملحوظ .

 

وهذا ما أكده سعيد مراد ( 1992 : 277 ) قائلاً ""  إن الاكتشافات العلمية التي حدثت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين تعادل تلك الاكتشافات التي تمت في السنوات الخمسين التي سبقتها ، وأصبح الفاصل الزمني بين الاكتشاف ، وتطبيقه العملي ، ونتائجه الاقتصادية ، والصناعية يتضاءل سنة بعد الأخرى "" .

 

ولهذا فإن من مسلمات عصرنا الحالي أن قوة الأمم والشعوب لا تعتمد على ما لديها من إمكانات مادية ، أو طبيعية ؛ فالأمة الأقوى في هذا العصر هي التي تملك عقولاً قادرة على التأمل ، والنقد ، وطرح البدائل ، وعدم أخذ الأمور على علاتها      ، ومواجهة المشكلات ، والتكيف مع التغييرات .

 

ويستدعى هذا كله أن نعنى عند تصميم مناهجنا التعليمية بتعليم مهارات التفكير ؛ بحيث ننمى لدى متعلمينا تلك المهارات التي تمكنهم من البحث عن المعارف ، وتنظيمها ، ونقدها إذا لزم الأمر ، وكذلك القدرة على مواجهة المشكلات والتفكير بموضوعية في المواقف الآنية والمستقبلية .

 

وما يدعم الدعوة لأن يكون التفكير محوراً لمناهجنا التعليمية أن أمتنا العربية تمتلك قوة كامنة في نفوس أبنائها تحثهم على الاعتصام بمعطيات العقل ، والإتجاه نحو العقلانية ، ولعل التاريخ الإنساني لديه الدلائل على صحة ذلك ، فضلا عن نظرة الإسلام الرحبة إلى إعمال النظر وعمق التفكير .

 

وجدير بالذكر أن العناية بتنمية التفكير يتزايد كأحد الأهداف الرئيسة التي تسعى التربية إلى تحقيقها  عند المتعلمين ؛ ولعل السبب في ذلك يرجع إلى التحديات العديدة التي أصبحت تواجه المجتمعات نتيجة التغيرات ، والتطورات السريعة التي تأثرت بها مظاهر الحياة المعاصرة ، ولا شك في أن مواجهة هذه التحديات              ، والتصدي لها بنجاح يتوقف على مدى استخدام العمليات العقلية ، وأسلوب معالجتها.

 

وقد فرضت التحديات التي تواجه أمتنا العربية في العصر الحالي  على التربويين أن ينظروا إلى التربية  على أنها عملية لا تتوقف عند زمان أو مكان محدد ، وأنها مستمرة  مع الفرد ؛ بحيث تمكنه من التعامل بوعي مع مستجدات العصر ؛ لذلك جاءت شعارات مثل ً تعليم الطالب كيف يتعلم ً وتعليم الطالب كيف يفكر ؛ ذلك أن التكيف مع المستجدات يتطلب تعلم مهارات جديدة .( زيد الهويدى ، 2005 : 197)

 

كما تؤكد ذلك إلهام عبد الحميد فرج ( 1995 : 679 ) التي ترى أن كل هذه التغيرات تمثل مجموعة من التحديات الخطيرة تواجه جميع دول العالم بشكل عام ، كما تواجه الدول النامية ومنها مصر بشكل أكثر خطورة  . 

 

ويشير محمد إبراهيم القـطاوى ( 2007 : 35 ) حيث يرى أننا نحتاج إلى أساليب في التعليم تؤسس على تنمية القدرات العقلية ، والمهارات المختلفة ، التي تتناسب وطبيعة العصر في البرامج والممارسات التربوية لتحقيق مخرجات تتناسب مع متطلبات العصر ، وهذا لا يمكن إلا بإحداث تطوير نوعى في برامج التعليم ووسائطه ؛ من اجل تخريج أجيال قادرة على مواجهة التحديات ، واستيعاب التغيرات ، وإدارة المعرفة ، ونقلها ، والانفتاح على الثقافات ، والتأثير الايجابي فيها  .

 

وتأسيساً على ما سبق فإن التحدي الأكبر الذي يواجه الشعوب لتحقيق التقدم في العصر الحالي يعتمد في المقام الأول على تغيير أسلوب التفكير الذي يؤهل أبناءنا للتعامل مع علوم المستقبل ، ومن هنا أصبح العامل الحاسم في تقدم أي مجتمع هو امتلاك أفراده مهارات التفكير المختلفة التي تساعدهم على النهوض به لمواكبة عصر المعلوماتية وذلك بعد تفنيد الثقافات الوافدة ، وتقويم الأفكار الجديدة للحكم على مدى أهميتها ، ومناسبتها لقيم المجتمع وتقاليده ، ومتطلباته .

 

ولذا فالحاجة مسيسة وملحة لتزويد طلاب المدارس بمهارات التفكير؛ وذلك حتى يستطيعوا مواجهة التغيرات التي تحدث في العالم ، وتظهر ضرورة تعليم هذه المهارات في الاعتماد على النفس ثم مواجهة التغيرات بالرغم من قوتها وتعقدها ، وطالما أن هدف التربية هو تنمية مهارات التفكير لدى الطلاب ، لذا يجب أن يكون لمهارات التفكير دور في بناء إنسان قادر على الإبداع ، والاختراع ، والاكتشاف وليس فقط تكرار ما أنجزته الأجيال السابقة. ( إبراهيم كرم ، 1992 : 16 )

 

وبهذا فقد أصبح التفكير ضرورة حتمية لمواطن القرن الواحد والعشرين ، وأصبحت مؤسسات التعليم المحلية والعالمية منوطة بالإجابة عن السؤال : ما الذي يحتاجه المتعلمون في هذا القرن ؟ لأنها  إذا عجزت عن مواجهة التحديات فسوف تكون مجبرة أو منساقة على الأخذ بالبدائل المطروحة أمامها دون فحص أو             تفكير . ( Halpern, 1996: 14)

 

وهذا ما أكده جيننجس ( ( Jennings. J, 2002: 17 من أن المجتمع الذي نعيش فيه الآن والذي أطلق عليه "" عصر المعلومات "" يترقب من الطالب المزيد ؛ حيث يتطلب مستوى أعلى من المهارة والمعرفة لكل فرد عما لديه من قبل ، ولذلك يجب أن يرتفع أداء الطلاب إلى مستوى أعلى ليقابل المعايير المحددة لمواجهة تحديات العصر، ولأن المجتمع رفع توقعاته بالنسبة لإنجازات الطالب ، فيجب بالضرورة رفع مستوى هذه المعايير لدى الطالب.

 

من ناحية أخرى فقد أصبح القرن الواحد والعشرين هو قرن العولمة            ، ويفرض هذا بدوره على الإنسان نمطاً مختلفاً من التفكير ونمطاً جديداً من الإنتاج ؛ للاستفادة منهما ، فالعولمة هي نظام عالمي جديد له أدواته ووسائله وعناصره ، وقد فرضت علينا عبر القنوات المختلفة المتمثلة في الفضائيات والالكترونيات ، والحواسب والانترنت ، ووسائل الاتصال الإلكترونية.( ألاب عماد طوال،   2002)  

 

وبهذا تعد العولمة من اكبر التحديات ؛ حيث أنها تلقى بظلالها على كافة المجالات الأخرى ، وهى من جهة أخرى وسيلة لربط الفرد بالقضايا والمشكلات الدولية ، وتحويل العالم إلى قرية صغيرة واحدة تحت شعار عالم واحد.International Seminars on Indonesia,2000) ) ولا تستطيع النظم التعليمية أن تجعل الطلاب قادرين على التكيف مع عصر العولمة ومتابعة كل التطورات التي تحث في النظام العالمي الجديد ، ومسايرته .(Liu, Guohau, 1998: 2)

 

مما سبق يتضح أن مهمة التفكير تكمن في إيجاد حلول مناسبة للمشكلات النظرية والعملية الملحة التي يواجهها الإنسان في الطبيعة ، والمجتمع والتي تتجدد باستمرار مما يدفعه للبحث دوما عن طرائق وأساليب جديدة تمكنه من تجاوز الصعوبات ، والعقبات التي تبرز والتي يحتمل بروزها في المستقبل ويتيح له ذلك فرصا للتقدم.

 

وفى هذا الصدد ذكر إمام عبد الفتاح ( 1975 : 9-10 )  أننا نفرق بين الناس على أساس طريقتهم في التفكير ، وحين قال سقراط لجليسه "" كلم حتى أراك"" لم يكن يعنى إلا ما نعنيه الآن ، وهو أن الكلام أو النطق –  يعنى التفكير –  وهو الذي يعرفنا بالأشخاص- أي قل لي كيف تفكر ؟ أقل لك من أنت، وإلى أي الفئات تنتمي، بل في أي العصور تعيش.

 

كما اعتبر أرسطو العقل الهدف والغاية التي من أجلها نشأ الإنسان ، وهو يقصد من هذا أن استخدام العقل في التفكير والأحكام والبراهين ؛ يشكل ماهية الإنسان ، وبالتالي الغاية من وجوده .

 

ولسنا في حاجة إلى تأكيد أن التفكير من أجلّْ النعم التي أنعم الله بها على عباده المفكرين، فالله تعالى حثنا على استعمال العقل، والتفكير في كافة أمور حياتنا حيث قضت حكمة المولى عز وجل بأن يكون التفكير فُرض على كل مؤمن ومؤمنة. 

 

ونصوص الإسلام  زاخرة بالعديد من التناولات لمفهوم الفكر والتفكير والدعوة إليه ، ففي القرآن الكريم ( 168) آية تدعو للتدبر والتأمل ، و( 269 ) آية تدعو للتذكر، و(129) آية تدعو للنظر، وهذا يؤكد دعوة الإسلام إلى إعمال العقل ، والتفكر ، والتدبر في خلق الله تعالى ، والنواميس الكونية والتبصر بحقائق الوجود.    ( راشد بن حمد الكثيرى ، محمد عبد الله النذير،2000 :16)

 

والقرآن الكريم داعٍ إلى التفكير؛ إذ حث على النظر العقلي، والتأمل، والفحص، وتقليب الأمر على وجهه لفهمه وإدراكه، كما اجتمع الكتاب والسنة على تأكيد قيمة العقل، ومكانته، وضرورة استخدامه ، لقوله تعالى ( إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا )1 ، وقوله "" أو لم يتفكروا في أنفسهم ""  2 ،وقوله "" كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ""3 ، و قال رسول الله (ص) "" ما خلق الله عز وجل أكرم عليه من العقل""ً 4    

 

وفى ضوء ما سبق ذكره عن العولمة ، وعن أهمية التسلح بمهارات التفكير في مواجهتها يجدر بنا تسجيل ملاحظة محمد سعيد زيدان (1999 : 17 ) من أن مساحة الانفعال تجور على مساحة العقلانية لدى كثير من الأفراد في المجتمع المصري ، ومن ثم تكون النتيجة تغييب العقل والفهم والحوار. 

                                                                         

وبناءًا عليه فمن التخلف ألا يتحمل الإنسان المسئولية ، فالتبعية الفكرية هي نوع من الآسر الخفي ، ونحن نحتاج في مصر إلى التحرر من التواكل أو            الاتكالية."


انشء في: اثنين 31 ديسمبر 2012 19:00
Category:
مشاركة عبر