أثر استخدام النحت الخزفي في تعديل سلوك الجانحين في مرحلة المراهقة الوسطى من سن 15-17 سنة
رحاب محمد سعيد ذكى القاهرة التربية النوعية علم نفس التربية الفنية ماجستير 2009
ملخص الدراسة:
تحتل رعاية المراهق أهمية خاصة وملحوظة في الفكر المعاصر، ذلك لأن المراهق هو المستقبل، وأي جهد يوجه لرعايته وحمايته هو في نفس الوقت تأمين لمستقبل الأمة وتدعيم لسلامتها.
ولذلك تعتبر رعاية الأسرة والطفولة العملية البنائية الأساسية في أي مجتمع يسعى لتحقيق ما يأمله من تكوين المجتمع المتطور المتوازن، البعيد عن الانحرافات والأمراض والعلل الاجتماعية، القادر على الخلق والابتكار المتجدد بالفكر والعمل، المتسم بوفرة الإنتاج والخدمات، المتمسك بالقيم الحميدة والأخلاق الفاضلة، نتيجة التنشئة السوية().
لهذا كانت المحاولة الهادفة لخلق جيل جديد، يشق طريقه فى الحياة بخطى ثابتة هادفة وبنفس راضية خالية من التوتر والقلق، وحمايته مما يصيبه من انحرافات تعترض نجاحه، من أهم الخطوات التى تسعى الدولة لتحقيقها فى برامج الرعاية الاجتماعية.
ويشير إلى ذلك تعدد المؤتمرات التى تتناول بالدراسة برامج الوقاية من جناح الأحداث والشباب، والبحوث التى تبحث عن العوامل التى تدفع بهؤلاء للانحراف، والمخصصات المالية التى تخصصها الدولة للإنفاق على هذه البحوث.
وقد تعددت وجهات النظر حول التفسير العلمى لظهور الجناح فى المجتمع وتناول العلماء له، فمنهم من يرى الجناح سلوك فطرى فى الفرد، وأنه تعبير مباشر عن الرغبات والغرائز المكبوته، وعلى رأسهم أصحاب المدرسة التحليلية، أما أصحاب المدرسة السلوكية فيرون الجناح سلوك متعلم، يؤدى تعزيزه إلى ثبوته ليصبح له قوة العادة.
ويرى أصحاب المدرسة الاجتماعية أن الأحداث ينحرفون نتيجة لضغوط ومؤثرات اجتماعية، مثل الانخفاض الشديد فى مستوى المعيشة، أو تفكك الأسرة، أو غياب أحد الوالدين أو كليهما، أما أصحاب ومؤيدو المدرسة البيولوجية، فإنهم يحاولون البحث عن محددات بيولوجية للسلوك الجانح، واستهدفت محاولاتهم البحث عن أعراض ودلائل لهذه المحددات إما فى الخصائص الوراثية التى يرثها الإنسان عن أسلافه، أو فى الملامح والأبعاد الظاهرة فى جسمه، أو فى قسمات وجهه، أو فى بنائه الجسمى أو فى صفاته الفسيولوجية.
وهكذا فقد حظى الجناح بأهمية كبيرة بين علماء النفس والتربية، فشغل تفكيرهم وتطرقت إليه دراساتهم لمعرفة أسبابه ومظاهره، وبخاصة بعدما عانت المجتمعات فى السنوات الأخيرة من انتشار بعض مظاهر العنف المرفوض اجتماعياً وتفشى السلوك الإرهابى بصورة مطرده فى معظم المجتمعات على اختلاف توجهاتها العقائدية والسياسية، ومستوياتها الاجتماعية والثقافية.
يتضح مما سبق أن الجانحين يعانون من بعض الاضطرابات السلوكية العدوانية الناتجة عن شعورهم المتزايد بالإحباط، لعدم قدرتهم على التواصل مع المجتمع بشكل سوى ومقبول، لذلك كان لابد من إيجاد قنوات اتصاليه أخرى تساعدهم فى التعبير عن أنفسهم بطريقة مشروعة ومقبولة اجتماعياً، مثل الأنشطة الفنية بمختلف مجالاتها كالرسم، النحت والعمليات الإبداعية التى تساعد على تدعيم الاستجابات المضادة للعدوان وتنمى السلوك البناء اجتماعياً كالابتكار، التسامح، الصداقة والالتزام الأخلاقى، وهذه السلوكيات يتم تدعيمها من قبل المؤسسات التربوية والإعلامية بشكل ضمنى أو صريح، عن طريق إبراز أساليب التعبير غير العدوانية، واتخاذها نماذج للقدوة الفعالة.
ومن أهم الميادين التى اهتمت بالجناح كظاهرة نفسية واجتماعية" "علم نفس الفن" "باعتباره أحد فروع علم النفس، والذى يعتنى بدراسة كل ما يتعلق بسلوكيات التعامل مع الموضوعات الفنية الناتجة من قبل الأفراد().
وبما أن التربية الفنية هى أيضاً أحد ميادين العلوم الحديثة، والتى تهتم بالفرد وتنشئته بصورة اجتماعية متكاملة، فقد عنيت بدراسة مشكلة الانحراف عند الأحداث من خلال أعمالهم الفنية التعبيرية()
فالفن له مكانة بارزة فى علاج الاضطرابات السلوكية، حيث يعمل كوسيط تعبيرى عن المشاعر والأفكار، التى يعجز المراهق عن صياغتها بشكل منتظم نظراً لما يعانيه من اضطرابات، ولكنه يعبر عنها من خلال الأنشطة الفنية التشكيلية، وأشكال النشاط الأخرى كاللعب والموسيقى.
ومن هنا ترى الباحثة أن الحدث الذى لديه طاقة زائدة وميول عدوانية تجاه المجتمع، فإنه يمكن تحويل هذه الطاقة الزائدة والميول العدوانية لأعمال فنية مفيدة له ولمجتمعه، فيلقى بها الاستحسان والتقدير المادى والمعنوى من المحيطين به بدلاً من ملاقاة العقاب على تصرفاته العدوانية والأعمال التخريبية التى يقوم بها، ولكى يتم تحويل الجانح إلى فرد أقرب إلى السواء قادر على التعامل والتفاعل مع المجتمع بشكل إيجابى مع إمكانية الاستفادة من طاقاته بما يفيد المجتمع، يجب أولاً أن نُعدِل من سلوكه ونوجهه إلى السلوك السوى المقبول اجتماعياً والمشروع قانونياً.
مشكلة البحث:
مما سبق يمكن تلخيص مشكلة البحث فى السؤال التالى:
هل يمكن تعديل وتوجيه سلوك الجانحين المراهقين من خلال استخدام النحت الخزفى كنشاط فنى؟
أهمية البحث:
تتضح خطورة ظاهرة جناح الأحداث وأهمية دراستها فى تعدد الجوانب المرتبطة بها، وأثر الفعل الجانح على الأوضاع الاجتماعية، الاقتصادية والخلقية فى المجتمع الذى يعيشون فيه.
وأول وجه لهذه الظاهرة أن الجانحين يمثلون خطراً على حياة الأفراد، حيث يشكلون مصدر للقلق والاضطراب، ويسعون دائماً لاقتناص فريستهم بالنصب أو السرقة أو أى عمل مخالف للقانون().
كما أن الجانحين يمثلون خطراً على أنفسهم حيث أنهم- نتيجة لانحرافهم وما يصاحبه من عمليات مقاومة من قبل المجتمع- يتحولون لشخصيات مرضية لا تعرف سبيل لأهدافها إلا بالعدوان والضغط، وكذلك فالجانحون يمثلون مشكلة قانونية فى المجتمع، تتمثل فى ازدياد عدد المخالفات التى يرتكبونها نتيجة لسلوكهم المنحرف، فضلاً عن أن الجانحين يمثلون مشكلة اقتصادية خطيرة، تتمثل فى الخسارة التى تعود على المجتمع من جراء فقد طاقات هذه العناصر البشرية التى كان يمكن أن تساهم فى عملية البناء والتنمية داخل المجتمع، والتى تتطلب مساعدة كل القوى والفئات العامة، فالجانحون خسارة لأنفسهم وللمجتمع من حيث هم قوى عاملة معطلة عن الإنتاج، ولا يمكن أن يتحقق من ورائهم فائدة أو مكسب، بل إنهم قد يكونون فى مستقبلهم عامل هدم وإعاقة لعملية الإنتاج().
ومن هنا ترى الباحثة أنه يمكن التعرف على خصائص هؤلاء الأفراد من خلال الأنشطة الفنية، وكشف جوانب القصور فى شخصياتهم والوقوف عليها، وبالتالى يمكن توجيههم وتحسين أدائهم ليكونوا مواطنين صالحين.
أهداف البحث:
يهدف البحث إلى :
1- تعديل وتوجيه سلوك الجانحين المراهقين باستخدام النحت الخزفى.
2- توظيف الطاقات الزائدة للجانحين فى إنتاج أعمال فنية ترفع من تقديرهم لذواتهم.
حدود البحث:
يتحدد هذا البحث فيما يلى:
1- عينة البحث: وتتكون من 30 حدث جانح، مودعين بمؤسسة رعاية الأحداث ببنى سويف،وهم من الذكور المراهقين من سن 15 – 17سنة.
2- السلوك المراد تعديله: العدوان- القلق الاجتماعى.
3- النشاط الفنى: وهو النحت الخزفى بخامة الطين الأسوانى.
مسلمات البحث:
1- أن الفن وسيلة هامة للتنفيس والتعبير عن الصراعات الداخلية للفرد، وهو بذلك يقوم بعمل نوع من الإشباع البديل للدوافع والرغبات بشكل صحى.
2- أن السلوك الإنسانى فى مجمله مكتسب ولا يورث.
- وقد توصلت الباحثة من خلال إجراء تجربة استطلاعية على 15 حدث جانح من غير أفراد عينة البحث إلى الملاحظات التالية:
- وجود طاقة زائدة لدى الجانحين،يشير إليها سرعة إنجازهم للعمل المطلوب فى أقل من الوقت المحدد.
- للجانحين ميول ابتكارية يشير إليها إضافة بعض الخامات للعمل.
- أن هناك لغة تشكيلية واضحة بالنسبة للمجسم لدى الجانح.
- اهتمام الجانح بالملامس.
- أن العمل يعكس ميول واهتمامات الجانحين.
فروض البحث:
تفترض الباحثة ما يلى:
1- أن هناك فروقاً ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات قياس سلوك الجانحين قبل ممارستهم للنحت الخزفى وبعد ممارستهم له فى الاتجاه الأفضل لصالح القياس البعدى .
2- أن هناك فروقاً ذات دلالة إحصائية بين قياس مستوى الأعمال الفنية للجانحين قبل ممارستهم للنحت الخزفى وبعد ممارستهم له، فى الاتجاه الأفضل لصالح القياس البعدى .
منهج وإجراءات البحث:
يعتمد البحث الحالى على تطبيق المنهج شبه التجريبى، وهو أنسب المناهج لهذا البحث، حيث يقوم على دراسة أثر متغير مستقل على متغير تابع أو أكثر، مع التسليم بعدم إمكانية حصر وضبط جميع المتغيرات الدخيلة، إلى جانب أن هذا المنهج يطبق على مجموعة واحدة ويجرى عليها اختبار قبلى وبعدى().
مصطلحات ومفاهيم البحث:
1-جانح Juvenil :
الأصل فى الكلمة جَنَحَ وتعنى فى اللغة مال، واشتقاق الكلمة لغوياً هو جنح يجنح جنوحاً، والجُناح بالضم هو الإثم، وكلمة الإثم تعنى البعد عن المعيار العام للحكم على السلوك().
ولذلك سوف نستخدم كلمة جُناح المراهق بالضم، بمعنى المراهق الأثم، أما جانح من الناحية الاصطلاحية فقد تعددت التعريفات التى تناولته ومن أهمها ما يلى:
- عرفة عاطف عبد الرحمن بأنه: ذلك الفرد الذى يقوم بأعمال منافية للمجتمع، والتى إذا ارتكبها البالغون عُدت ضمن جرائم ومخالفات قانون العقوبات لمجتمعهم().
- وعرفه أنور الشرقاوى بأنه: الفرد الذى يسلك سلوكاً غير معتاد بالنسبة لنفسه ولأفراد مجتمعه، شرط أن يكون لهذا السلوك طابع الاستمرارية والتكرار، وهو ليس رد فعل مؤقت().
- وقد عرفه أحمد محمد غالى بأنه: فرد تعرض لمؤثرات بيئية من نوع أو أسلوب ما من التربية والعلاقات الوالدية أو الاجتماعية، ويتصف بالعدوان ويوجهه نحو الغير بشكل مباشر أو غير مباشر().
- أما جيمس بلانت James Plant : فقد عرفه بأنه ذلك الفرد الذى يبدى سوء توافق بدرجة خطيرة ومتزايدة بوسائل عدوانية().
2-السلوك الجانح Juvenil Behaviours:
تعددت التعريفات التى تناولت السلوك الجانح، وكان من أشهر تلك التعريفات
ما يلى:
- تعريف فاتن أبو ليله: السلوك الجانح هو تمرد على السلطة وتعبير عن عدوان يهدف إلى تدمير البيئة المحيطة، والذى غالباً ما يكون موجه للظروف الاجتماعية().
- تعريف سعد المغربى: هو سلوك لا اجتماعى أو مضاد للمجتمع ، يقوم على عدم التوافق، والصراع النفسى بين الفرد ونفسه، وبين الفرد والجماعة بشرط أن يكون السلوك اتجاه نفسى واجتماعى تقوم عليه شخصية الجانح().
- بينما عرفه شيلدون Sheldon: بأنه سلوك غير متوافق تؤدى إليه مقدمات تجعله متوقعاً().
- أما أوجست ايكهورن August Ekhorn فقد عرفه بأنه: مظهر ديناميكى يعزى إلى تفاعل القوى النفسية التى أوجدت الانحلال الذى نسميه بالسلوك غير الأخلاقى().
- بينما عرفه بيرت Bert بأنه: السلوك الذى يمارسه الفرد عندما تصل ميوله الاجتماعية إلى درجة من الخطورة، بحيث يجب اتخاذ إجراء رسمى ضده().
3-مرحلة المراهقة Adolescence Stage :
الأصل فى الكلمة رَهَقَ، وراهق الشئ معناه قاربه، وراهق البلوغ معناه قارب سن البلوغ، وراهق الغلام معناه قارب سن الحلم، وصبى مراهق معناه مدان للحلم، أى قادر على إنجاب النسل().
ومن الناحية الاصطلاحية عُرفت المراهقة على النحو التالى:
- تعريف حامد زهران: أنها فترة يسهل تحديد بدايتها، ولكن من الصعب تحديد نهايتها، لأن بدايتها تتحدد بالبلوغ الجنسى، بينما تتحدد نهايتها بالوصول للنضج فى مظاهر النمو المختلفة().
- تعريف محمود البسيونى: هى مرحلة البلوغ، وحددت لجنة مصطلحات التربية الفنية مصطلح المراهق بمعنى البالغ().
- تعريف جان مايرزلير Gan mairzplair(): هى فترة فى حياة كل فرد تبدأ بنهاية الطفولة وتنتهى بابتداء مرحلة النضج أو الرشد، وهى إما أن تكون فترة طويلة الأمد أو قصيرة.
4-تعديل السلوك Behaviour Modification :
يعرف تعديل السلوك بأنه تعلم محدد البنيان، يتعلم فيه الفرد مهارات وسلوكيات جديدة، ويقلل من الاستجابات والعادات غير المرغوبة، وتزداد فيه دافعية الفرد للتغيير المطلوب().
5-النحت الخزفى Ceramic Sculpture :
يطلق لفظ الخزف بوجه عام على كل تنويعات الإنتاج المصنوعة من المواد الطينية المتصلده بعد الحريق.
وقد عرفته جمعية الخزف الأمريكية بأنه: المنتجات المصنوعة من المواد الطينية اللازبة أو التى تكتسب خاصية اللازبية بالمعالجة الحرارية لبعض المواد الأرضية غير العضوية، والتى تكتسب المتانة والصلادة فى تمام مراحل صناعتها.
مشاركة عبر
أخر الإضافات
أخر الملخصات المضافة